من ذكر الله عز وجل بهذين الاسمين المقدسين «المقدم والمؤخر»، فقد أسلم نفسه إليه، وأسند أمره كله لمشيئته ورضي كل الرضا بقضائه وقدره، وقضى عمره كله في طاعته وجمع قلبه عليه في وقت أنسه وفي وقت وحشته وجعل إرادته خاضعة لإرادته فلا يسأله عن شيء قدمه لم قدمه؟ ولا عن شيء أخره لم أخره؟ اعتباراً بقوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون).
والمقدم والمؤخر معناها يترجمه قوله تعالى (فعال لما يريد) وقوله جل وعلا: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون). فهو جل وعلا يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء كيف يشاء ومتى يشاء على ما يشاء وبقدر ما يشاء وفق علمه المحيط بجميع الأشياء وحكمته البالغة مبلغ العدل المطلق الذي لا يكون إلا له، ولا يقدر على تحقيقه أحد سواه.
يقول الله عز وجل في سورة «ق»: (قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد).
وقد جعل الله ديار الإنسان أربعة وقدم بعضها على بعض:
فالأولى دار الأجنة، وفيها يقول الله عز وجل: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى)، والثانية دار الدنيا وهي دار الامتحان بالتكاليف الشرعية، ودار المحن والشقاء، والدار الثالثة: هي الدار البرزخية وفيها تقديم لجزء من النعيم الأخروي للمؤمنين، وتقديم جزء من العذاب الأخروي للكافرين.
والدار الرابعة: هي دار القرار، يتميز فيها الكفار عن الأبرار.. أي: افترقوا اليوم أيها المجرمين واعتزلوا وتأخروا عنهم فهذا اليوم يومهم يتقدمون فيه عليكم لنيل حسن الثواب من رب العباد فقد قدموا لأنفسهم في حياتهم الدنيا عملاً صالحاً فكان هذا العمل قدم صدق عند ربهم أما أنتم فقد أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فأخركم الله عن ساحة رحمته، فلا جزاء لكم إلا النار وبئس القرار فسبحان المقدم والمؤخر.
فإذا نظرنا في هذا الكون رأينا فيه من الدلائل الباهرة على حكمة الله العليا في التقديم والتأخير والخفض والرفع والإعطاء والمنع والإضرار والنفع ما يحمله على الإيمان بوحدانيته في الربوبية والإلوهية ويدعوه إلى التسليم التام بأنه جل شأنه قد أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً ووضع كل شيء في موضعه من غير خلل في التقدير أو تفاوت في الإبداع والتكوين فهو الذي أحسن كل شيء خلقه وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وهو الذي يقدم ما حقه التقديم ويؤخر ما حقه التأخير وفق علمه المحيط وإرادته النافذة وحكمته البالغة .
ومن فاته التأمل في الكون الواسع الفسيح فلينظر في خلق نفسه مستعيناً بقوله تعالى : (وصوركم فأحسن صوركم). وبقدر علم الإنسان يستطيع أن يتعرف على حكمة الله في الخلق والتصوير، والتقديم والتأخير ومن هنا كان العلم هو الرائد للعقل دائماً في المعارف كلها فمن أوتي العلم فقد أوتي للحكمة وفي الحكمة الخير كله.
وما دام الله هو المقدم والمؤخر فلنتوجه إليه بقلوبنا فنحسن التوكل عليه ونسلم الأمر إليه، ونقف عند حدنا بالأدب معه متمسكين بحبله المتين سائرين إليه على صراطه المستقيم.