هل من المعقول، ان تحمل المرأة جنيناً خارج رحمها؟ وربما لا يتصور القارئ بوضوح إمكان نمو الجنين في القناة الرحمية مثلاً أو في البطن. فما هي حقيقة هذا الحمل الخارجي وأين يقع بالضبط؟.
فسيولوجياً، لا بد للبويضة المخصبة أن تخترق بطانة الرحم للمكوث في داخله والنمو طبيعياً. لكن قد تخترق البويضة عنق الرحم أو قد تعلق البويضة المخصبة في قناة الرحم، وفي حالات نادرة يحصل الحمل في المبيض أو في جوف البطن. والحمل غير الطبيعي يحصل بنسبة مرة بين كل مئة حمل طبيعي.
الأسباب: 1) التهابات القناة الرحمية: يحدث التهاب القناة الرحمية تضييقاً في مجرى القناة واعوجاجات صعبة تؤدي إلى تصغير القناة. ربما قد يتمكن المني من التوغل فيها، انما البويضة المصخبة لا تتمكن من ذلك بسهولة، فيتعسر سيرها وتعلق في أي مكان فيها.
2) الجراحة في القناتين الرحميتين: قد يحصل حمل خارجي بعد عملية ما (لاستعادة قدرة الانجاب) لكن هذه العملية تترك آثاراً يصعب تجنبها. قد تستطيع الجراحة إزالة الانسداد الذي يحول دون الحمل، وإعادة القناة إلى حالها الطبيعية كي يتمكن المني من اخصاب البويضة دون حاجز. أما إذا اخصبت البويضة فلا تستطيع اجتياز القناة حيث هي موجودة، لفقدان حيوية خلايا القناة التي من شأنها طبيعياً أن تُدحرج البويضة المخصبة إلى الرحم.
3) داء البطانة الرحمية: هذا الداء سبب مهم لحصول الحمل الخارجي. ونجد بؤر (البطانة المزورة) هذا الداء في القناة والمبيض وفي مواضع أخرى. وتتموضع بؤر هذا الداء في الطبقة العضلية للقسم الخلالي للقناة، بعد أن تزيح الغشاء المخاطي لباطن القناة. وتبلغ نسبة الاصابات بداء البطانة الرحمية للقناة في فترة النشاط التناسلي ما بين 25-50 % وهذا الداء يؤدي إلى إغلاق القناة الجزئي أو التام.
4) نقص في نمو القناة: إذا كانت القناة الرحمية غير مكتملة النمو، فقد تعرقل سير البويضة المخصبة.
5) اضطرابات القناة الشكلية الموروثة: عدة اضطرابات تشريحية تحدث في القناة ومنها ممرات صغيرة بجوار المجرى الرئيسي الذي منه تتفرع، واذا وصلت البويضة المخصبة إلى احداها، تغلغلت فيها دون معرفة، مما يؤدي الى مكوثها هناك.
6) أكياس جانبية في القناة: إن الحمل الخارجي ينتج أحياناً عن أكياس صغيرة وكأنها جيوب تنشأ على جوانب القناة وإذا صادفتها البويضة المخصبة، انحرفت عن طريقها القويم لتهلك نفسها في تلك الأكياس الصغيرة.
7) انخفاض في تقلص عضلات القناة: القناة تلجأ، بواسطة تقلصات عضلاتها وتموج شعيرات خلاياها المنتشرة في داخلها الى دحرجة البويضة حتى الرحم. وانخفاض تقلص عضلاتها يحدث بسبب بقايا الالتهابات المزمنة في القناة، أو اضطراب في ألياف الجهاز العصبي مما يسبب عائقاً مهماً في تدحرج البويضة وبالتالي يؤدي إلى الحمل الخارجي.
وهناك عدة مراحل في نمو الجنين في هذه الأحوال وتعتمد هذه المراحل على الظروف المحيطة بها تشريحياً، فلكل موضع تطور خاص به. إذا صودف الحمل في جوف البطن وعلى الغشاء البريتوني (الصفاق) - حيث حصل الاخصاب - فقد ينمو الجنين بأعجوبة، وينمو ربما إلى أشهر متقدمة تؤهله للعيش فيما بعد عند استخراجه بالوسائل الجراحية. فمشيمة الجنين تلجأ الى اتخاذ قواعد ثابتة حيث تستطيع النمو، سواء كان ذلك على حساب غشاء الرحم الخارجي، او المثانة، أو الامعاء، أو في الحوض، الخ....المهم أن تستعين بما يتوفر لها من أمكنة لتلقي شباكها وترسو للعيش. وعندما يحين وقت الولادة تُجرى عملية قيصرية لاستخراج الجنين، ولا يتم استخراج المشيمة لأنها عالقة بين الأنسجة. فيلجأ إلى ابقائها حيث هي كي لا يحصل نزف مميت في محاولة اقتلاعها. وتبقى على هذا الحال أسابيع، ريثما يمتصها الجسم تدريجياً.
لكن إذا لم يتمكن الجنين من الصمود في هذه الظروف القاهرة، وهذا ما يحصل في أغلبية الأحيان الساحقة، أو إذا بقي الجنين في موضعه المرضي أكثر وقتاً مما هو مطلوب، فقد يموت ببطء لاحتياجه إلى التغذية الضرورية. ثم يبدأ بالانكماش والجفاف، فيبدو وكأنه كالمومياء (حالة تكلس الجنين).
أعراضه: تأتي المريضة إلى العيادة بعد تأخر حيضها أياماً عديدة، وتشكو من وجع في أسفل بطنها، إلى اليمين أو اليسار، وتعلمنا بظهور لطخات دم متكررة وخفيفة من وقت لآخر. وقد تظهر اشمئزازاً من بعض الأطعمة وتشكو من ازدياد حاجاتها للتبويل.
وعند الفحص النسائي، يتبين تورم جانبي مؤلم خاصة عند لمس قعر المهبل حيث يُلاحظ أن المرأة تشكو من شدة الألم نتيجة تحسس للدم الموجود في قعر بطنها. فيطلب لها فحص بولي للتأكد من الحمل، وقد يكون ايجابياً في خمسين بالمئة من الأحيان.
ويشخّص اليوم الحمل الخارجي بواسطة الالتراساند. ويلجأ البعض إلى طلب تحديد كمية الهرمون المفرز من المشيمة، ففي حالة الحمل الخارجي، تكون كميته أقل بكثير من حالة الحمل الرحمي الطبيعي. وعلاوة على كل هذه الفحوصات هناك وسيلة للتأكد من الحمل الخارجي هي المنظار الداخلي أي تنظير البطن.
خطورة الحمل الخارجي: تبدأ القناة الرحمية بالتضخم بعد أن تخترقها البويضة، وينتج هذا التضخم عن نمو الجنين وتوسع ركائز المشيمة فيها من جهة، وإلى احتقانها الدموي من جهة أخرى، وهذا التغيّر الخطير يسرب الدم الى قعر البطن أو الى خارج الأعضاء التناسلية، ويؤلم المرأة. وفي بعض الظروف الصعبة إذا انفجرت القناة، يُلاحظ أن المرأة فقدت الوعي ويتطلب ذلك نقلها سريعاً إلى المستشفى وهي شاحبة اللون، باردة.
العلاج: 1) إذا كان موضع الحمل الخارجي في عنق الرحم، فلا شك أن العلاج الوحيد هو استئصال الرحم بكامله، ولا يمكن إطلاقاً إيجاد طريقة أخرى إذا اردنا انقاذ حياة الحامل.
2) إذا كان الحمل نامياً في جوف البطن، فعلينا استخراج الجنين حيّاً أو ميتاً وعدم محاولة اقتلاع المشيمة المتمركزة بين الأنسجة.
3) إذا كان الحمل في القناة، تستأصل القناة كلياً.
ويشار إلى أن المرأة تستطيع الانجاب مستقبلاً بواسطة قناتها الأخرى.