بسم الله الرحمن الرحيم
من تعريفات القدوة أنها تعني المثل الأعلى، والاقتداء يعني التأسي وترّسم أسلوب ذلك القدوة أو هذا النموذج الأمثل. والقدوة تنطوي في داخلها على نوع من الحب والإعجاب الذي يجعل المُقتدِي يحاول أن يطبق كل ما يراه في قدوته من أقوال وأفعال.
ففي البيت الأب والأم هما القدوة، والمدرسون في المدارس والجامعات هم القدوة، والداعية قدوة، وكل مسئول هو قدوة لمرؤوسيه.
فنجد في مدرسة الإنسان الأولى وهي البيت أن الأبناء يتأسون بوالديهم إلى أبعد الحدود فنلاحظ بأن الابن يقلد أباه في حركاته المميزة وأسلوب كلامه بل أنه يأخذ في الغالب الكثير من صفات الأب سواء كانت هذه الصفات حسنة أو سيئة، وكذلك الحال بالنسبة للبنت حيث تقوم بتقليد أمها في كل شيء تقريباً.
وتكون المشكلة الكبرى عندما يقوم من يفترض بأن يكون هو / هي القدوة الحسنة بعمل ما يناقض ذلك، ولعل أبسط مثل على هذا التناقض هو عندما يوصي الأب أبنه عندما يهرع الابن لفتح الباب قائلاً: إذا كان القادم فلاناً فقل له أن أبي ليس موجوداً.
فهذه الواقعة ستحدث أثراً عميقاً في نفس الابن الذي تعلّم في البيت ويتعلم في المدرسة أهمية وضرورة قول الصدق بينما أباه وهو القدوة يناقض نفسه ويجبره على الكذب. والشيء الغريب فعلاً هو أن الأب سيعنف وقد يضرب أبنه إذا كذب، ويتناسى أنه هو من غرس في نفس أبنه هذه الصفة الممقوتة.
وينطبق نفس الشيء على الأم التي تحرّص ابنتها على ضرورة احترام الآخرين وعدم إهانتهم، بينما تشاهد البنت أمها تقوم بتعنيف " العاملة المنزلية" لديهم بألفاظ نابية ليلاً ونهاراً.
إن هذه الأمثلة وغيرها تُحدث شرخاً كبيراً في شخصية الأبناء، حيث يتعلمون أشياء جميلة ويعايشون عكسها أحياناً ممن يعتبرونهم قدوتهم.
ويمكن أن يكون الشرخ أكبر وعلى مستوى المجتمع عندما يقوم مدرس، أو داعية، أو أي مسئول بما يتناقض مع ما يدعيه ومع ما تفرضه عليه الأمانة لأدائه عمله.
ومن أخطر ما نعايشه في وقتنا الحالي بالنسبة لموضوع القدوة الحسنة وخاصة على الشباب هو تأثير وسائل الإعلام المختلفة على البسطاء، فتصنع من الرموز ما تريد، عن طريق التلميع الإعلامي الخادع، فترفع من ترغب في رفعه ولو كان فاسقاً من أرذل الناس، وتضع من ترغب في وضعه ولو كان تقياً من أفاضل الناس.
لقد دعانا ديننا الحنيف إلى ضرورة الالتزام بكل خصلة حسنة ومنها الصدق في أقوالنا وأفعالنا، والأمانة، السماحة، كما نهى وحرم الكذب والغش وغير ذلك من الصفات السيئة.
وقدوتنا ومعلمنا جميعاً هو رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو خير قدوة، وهو الصادق الأمين وصاحب الخلق العظيم. فلنتأس به صلى الله عليه وسلم، ولنجعل من سلوكنا قدوة عملية لغيرنا، ليكن شعارنا الصدق وعمل الخيرات وترك المنكرات، والالتزام بتعاليم ديننا العظيم الذي أكرمنا الله به.