..
معظم الأطفال الأبكار ينشأون سعداء، يجيدون تكييف أنفسهم شأنهم في ذلك شأن مَن يليهم من أطفال الأسرة الآخرين، ولكن قلة منهم تواجه أوقاتاً صعبة، وهي تكيف نفسها وفقاً للعالم الخارجي.
ولذا فإننا كثيراً ما نسمع الأم تقول: ((إن تربية الطفل الثاني سهلة جداً إنه لا يبكي، وقلما تنشأ بسببه مشكلة جدية. وهو يلعب وحده راضياً، كما أنه فوق ذلك ودود جداً لكل مَن يقترب منه. وعندما تتقدم به السن بضعة أشهر أخرى تقول الأم: ((إن الطفل الثاني ودود جداً، ويحب الخروج من البيت بحيث يبدو إن الجميع يحبونه بصورة طبيعية. وعندما نسير معاً في الشارع، ألاحظ أن الغرباء يبتسمون له ويستوقفوننا ليسألوا عن سنه، ولكنهم يلاحظون، فيما بعد فقط، إن شقيقه الأكبر مهذب)). وبالطبع فإن ذلك كله يجرح مشاعر الطفل الأكبر، لأنه يلاحظ إن أخاه الأصغر يلفت أنظار الناس أكثر.
فما الذي يحدث هذا الفارق بين الأخوين؟ أحد الأسباب أن الطفل الأول يظفر، في بعض الأسر، باهتمام أكبر مما ينبغي، ولا سيما بعد أن يبلغ الشهر السادس من العمر، ويصبح قادراً على ملء وقته وتسلية نفسه. ومن المحتمل أن يكون أبواه قد أبديا نحوه من الاهتمام أكثر مما ينبغي، الأمر الذي يقلل من فرص تطوير مصالحه الخاصة، إذ يندر مثلاً أن يبدأ هو التحية، لأن أبويه عادة يبادرانه أولاً بالحديث. ومن المحتمل كذلك أن يكثر أبواه من عرضه بتباه على الكبار من الزوار الغرباء. ومبالغة الأبوين في ذلك يجعل الطفل شديد الاهتمام بذاته. وإذا مرض، فمن الطبيعي أن يثير مرضه قلق الأبوين أكثر مما يثيره مرض الطفل الثاني، إذ يكونان قد اكتسبا الكثير من الخبرة والطمأنينة. وإذا ما أبدى (الطفل الأول) شيئاً من سوء التصرف، فإنهما يأخذان الأمر بجدية بالغة، في حين أن هذه الجدية تقل مع الطفل الثاني لازدياد خبرتهما في مثل هذه الأمور.
إن المبالغة بالاهتمام بالطفل تفسده من ناحيتين: الأولى أنه ينشأ على الاعتقاد بأنه محور العالم، وأن على الجميع أن يبدوا إعجابهم به تلقائياً، سواء كان جذاباً أو لم يكن كذلك. غير أنه، من الناحية الأخرى، لم يكن يمارس إمتاع نفسه أو الخروج من البيت، وبالتالي اجتذاب الناس.لكن هذا لا يعني بالطبع تجاهل الطفل الأول، فهو بحاجة إلى العاطفة والتجاوب ضمن حدود معقولة. ولكن دعيه يمارس ألعابه بنفسه، وبأقل قدر من التدخل أو التوبيخ أو القلق، ما دام ذلك يرضيه ويدخل السرور على قلبه. وامنحيه بين الحين والحين فرصة لكي يبدأ الحديث عندما يكون في البيت زائرون، دعيه يقدم إليهم نفسه بنفسه. وعندما يقترب منك متودداً، مبدياً ما يستدل منه على أنه يرغب في تعاطفك أو في مشاركتك له باللعب، أظهري له المودة وعامليه بالحسنى. ولكن حين يبدو أنه يريد أن يتصرف وحده بألعابه اتركيه وشأنه.
وهنالك عنصر آخر كثيراً ما يجعل الطفل الأول غير اجتماعي، ذلك هو موقف الوالدين الجدي بشكل مبالغ فيه. ولا يعود ذلك عادة إلى جلافة في طباع الوالدين، فهما يتوددان فيما بعد مثلاً للصغار من أبنائهما. وكل ما في الأمر هو افتقارهما إلى الخبرة الكافية، ومحاولتهما جاهدين تربية طفلهما الأول حسب ما يظنانه صحيحاً.
قد يقول أحدهم في سرّه: ((المشكلة إنني أفتقد التجربة)). ولكن الحقيقة هي أنه لا داعي لأن يكون ذا خبرة لكي يتمكن المرء من إحسان تربية الطفل. فكل ما يُحتاج إليه في البداية، هو أن يتمتع الإنسان بروح الود والمحبة. وأخيراً لا خوف من التسامح مع الطفل فخير لنا وله أن نكون معه متساهلين من أن نكون صارمين.