الدكتور- فايز بن عبد الله الشهري:
كَثُرَتْ التحليلات ، وتعدّدت الآراء التي نقرأها ونسمعها حول مسببات الفوضى والارتباك الحاصلة في سوق الأسهم السعودية. وحيث لا جواب واحداً يفسر أسباب ضياع اتجاهات السوق و يوضح سر عدم استقرار مؤشره الحائر فستظل الاجتهادات والشائعات سيدة الموقف خاصة مع استمرار ضبابيّة المعلومات وتضاربها بين من يرى قوة السوق ومن يبرّر ما يحدث بأنه تصحيح لوضع خاطئ ساهم فيه الجميع. وفي علاقات الأسهم والتقنية تتبادر إلى الذهن أسئلة مثل: هل ساهم (سلوك) الناس من خلال التداول الالكتروني في تسريع وتيرة (انهيار) السوق وإفقاده توازنه؟بعبارة أخرى هل كانت «الشاشة غشّاشة» فعلا لمن يتداولون من خلالها؟ وهل صَدَقَتْ تحليلات علم نفس الانترنت التي تقول أن مستخدم الانترنت عند مروره بأزمة تتطلب اتخاذ موقف (الكتروني) قد يغلب عليه السلوك الانفعالي فيترجمه إلى قرار وينفذه بسرعة جراء التأثير النفسي للمعلومات المتدفقة أمامه على الشاشة. من جهة أخرى هل يمكن أن تكون تأثيرات بيئة التداول الالكترونية سببا في الضغط على المتداولين ودفعهم لاتخاذ قرارات بيع وشراء جماعية مما دفع السوق (المعتلّ أصلا) إلى حافة الهاوية؟ أم أن صراعات قوى السوق هي من شكّلت حالة الهلع الجماعي مستغلة تأثير انخفاض وارتفاع المؤشر الالكتروني لترهيب أو إغراء المستثمر الصغير وخداعه.
وفي ذات السياق الالكتروني يمكننا أيضا أن نطرح أسئلة أخرى عن احتمالات وجود أدوار سلبية يمكن أن تكون قد لعبتها برامج التحليل الفني المجانية المبثوثة على منتديات الانترنت خاصة عند من اعتمدوا عليها في توجيه قراراتهم إلى اتجاهات قد لا تكون في صالح استثمارهم في هذا السهم أو ذاك؟ المؤكد أن هذه البرامج واضحة الحضور في نقاشات المتداولين الجدد الذين ربما غابت عن بعضهم في (غبار السوق) معلومة مفادها أن كبار صنّاع السوق لم يولدوا بعد 11 سبتمبر 2001م، كما أنهم لم يدخلوا إلى سوق الأسهم في عصر الانترنت كما هي حال أغلب حملة المحافظ الالكترونية الذي لا يعلمون أن بدايات تداول الأسهم في بلادنا تعود إلى أكثر من 71 عاما (1935) تعرّضت خلالها سوق الأسهم للعديد من التقلبات تأثرا بالأوضاع السياسية والاقتصادية ومع هذا فقد ظل حجم المؤثرين والمتأثرين بها سلبا وإيجابا محدودا ، تبعا لعدم رواج تجارة الأسهم بين عامة الناس حينئذ.
ونظرا لمحدودية السوق في الماضي فلم تسجل الكثير من المشكلات الكبرى خاصة في الجانب التنظيمي والتقني الذي مر بالعديد من التطورات كان أوضحها ارتباطاً بالتقنية عام 1990 مع إدخال النظام تداول الأسهم الآلي (ESIS) الذي مكّن من معالجة طلبات بيع وشراء الأسهم في نفس يوم التداول وفق نظام الكتروني مرتبط بحاسب مركزي يتولى رصد عمليات التداول والتسويات وتبادل المعلومات من خلال ربط المصارف بمؤسسة النقد، وقد استمر الوضع حتى اعتمدت السلطة المالية في أكتوبر 2001م نظام تداول الالكتروني (Tadawul) لإدارة عمليات بيع وشراء الأسهم، وقد حدثت القفزة الكبرى في أعداد المتداولين مع ربط نظام تداول بشبكة الانترنت ومعها دخل الناس في هذا النشاط الجديد أفواجا حتى وصل عدد متداولي الأسهم عبر الشبكة قريبا من 300 ألف متداول ضمن سوق ضخم ضم أكثر من ثلاثة ملايين محفظة مالية.
نعم كثيرة هي الأسئلة هذه الأيام خاصة وأن لا صوت يعلو فوق صوت المتداولين في صالات الأسهم ، ولا قضايا جماهيرية على منتديات الانترنت إلا ما يعنى بسوق الأسهم الذي طغت على أجوائه خسائر صغار المستثمرين المتلاحقة نتيجة قلة وعي أكثرهم بخفايا ودهاليز السوق ومخططات صنّاعه المحترفين. وكما طرحت الانترنت اليوم نفسها وسيطا أساسا في عمليات التداول فقد باتت كما هو واضح- الوسيلة الأبرز لبث حوارات وشكاوى مرتادي السوق والمتضررين من تقلباته، ويبقى السؤال الأهم هنا ...عن الدروس المستفادة مما جرى لسوق الأسهم..! و مدى رشد القرارات التي اتخذناها تحت تأثير البيئة الالكترونية للأسهم؟