لم يعد خافيا الآن أن الصراع الدائر البوم بين الإخوة الأعداء في فلسطين فتح وحماس قد أعاد قدرا من الحياة إلي الدولة العبرية، وجدد فيها ما كان قد تهاوي من قوة الجبهة الداخلية وتعاطف المجتمع الدولي معها. لا أجد غضاضة في الإحاح علي أن تمترس كل من الفتحاويين والحمساويين وراء ما يتوهمون أنه الصواب دون اعتبار لمعاناة الشعب الفلسطيني التي امتدت طوال قرن من الزمان هو في واقع الحال عبء ثقيل علي التحرر الذي ينشده كل إنسان فلسطيني. إنها الحقيقة المرة التي يتعين علي كل مناضل صادق من الفريقين أن يواجه بها نفسه، طلبا للحق مهما كان شديدا، والإذعان له ولو علي حساب التاريخ النضالي الذي يعمي الأبصار ويصم الآذان عن تبين الأشياء، وتلمس الواقع كما هو.
لم يعد التحدي الآن قاصرا علي مواجهة الدسائس والمناورات من قبل الحكومة الإسرائيلية، ولا حتي الإهانات علي الحواجزالعسكرية التي لا تفرق بين الساسة ولا بين بسطاء الناس وضعافهم. التحدي الأكبر اليوم الذي يتهدد الوجود الفلسطيني من أساسه هو تآكل الجبهة الداخلية، وصراع الإخوة الأعداء بسبب اختلاف المشاريع المتبعة. لا يضيرنا أن تهان بعض الوجوه السياسية الفلسطينية سواء المحسوبة علي فتح أوحماس فذاك أمر معتاد، الإشكال اليوم هو الإهانات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني علي يد أبنائه حينما تتأجج نار الفرقة فيقتتل رفاق النضال والمقاومة، وتشتد المشاحنات إلي درجة استباحة الدم الفلسطيني، واتهام كل طرف للآخر بالمسؤولية عن ذلك وكأنه بريء من تبعاتها.
لو كان ياسر عرفات حيا لأعلن براءته من كل متمسح اليوم بتراثه وتاريخه، ولتمني اللحاق بالشهداء ولا يري واقعا متمزقا، وحالة من التشظي فقد معها كل معني للنضال سواء كان إسلاميا أو وطنيا، وصار الناس صرعي فتنة سياسية تسثمر القوي الأجنبية كل ذريعة لتأجيجها.
لو كان هناك قدر من التعقل لكان حريا بكل من يري نفسه اليوم مناضلا أن يقدم استقالته ويبتعد بنفسه عن هذا الواقع الموبوء حتي لا يتلوث بعفونته، وينال من رصيده الذي يتآكل يوميا. بقاء فتح وحماس في حالة من التصارع الأعمي الذي كشف ما كان خافيا بين التيارين منذ زمن ليس له من معني سوي خدمة المشروع الإسرائيلي سواء وقفنا علي هذه الحقيقة أم لا. وذاك ما يؤكده تطور الأحداث علي الصعيدين الإقليمي والدولي، لا بل ان الظاهر للعيان أن كلا من حماس وفتح، أوالسلطة والحكومة المقالة قد صارتا ورقتين رابحتين تخدمان ذلك المشروع لأنهما تضعفان بعضهما البعض سياسيا واستراتجيا.
فما هي أقصي مطالب السلطة؟ هل ستطالب بحق العودة؟ أكاد أشك! هل ستطالب بكامل الضفة الغربية وإزاحة المستوطنات؟ لا أظن ذلك. هل ستناقش وضع فلسطينيي الداخل؟ مستبعد جدا وهي في أوهن حالاتها وأضعف مواقفها. هل ستقبل بتفعيل اتفاق مكة وقد تسرع الرئيس الفلسطيني فوصم حماس بالإرهاب والأصولية المتطرفة؟ محال!
أليس الأجدر بهؤلاء واولئك أن يتقهقروا قليلا ويتركوا حيزا لذوي المروءة والعقلاء من الفريقين لرأب الصدع حتي لا يشتد الرقع علي الراتق، وتصير قضية فلسطين قضية شعب طواه النسيان، وتغافلت عنه الأزمان، ولم يعد سوي مجرد ذكري تبكيها الأمهات، وقصة تحكيها أشجار الزيتون التي التهمتها آلة الحرب الإسرائيلية.