عمّان- بطاقة أدائية وحركية باهرة،قدمت لجنة المسرح في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون مساء اول من امس على المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي وضمن فعاليات مهرجان المسرح الأردني14 في دورته العربية السادسة، مسرحية "الرقص مع الطيور" تأليف وإخراج د.شادي عاشور.
ولم ينخفض إيقاع العرض على مدى حوالي90 دقيقة،رغم الرسائل المتزاحمة التي أثقل د.عاشور كاهل المسرحية بها،وحافظ ممثلوه الستة: أسامة خالد، نايف فايز، محمد الشدوخي، بسام الدخيل، يحيى هروبي ومبروك الفهد، على لياقتهم الأدائية والحضورية والتفاعلية مع مفاصل العمل وتنقلاته وتفرعاته،وتقافزوا في مشاهده الأخيرة بالطاقة نفسها التي كانوا عليها في مشاهد الاستهلال.
ووسط جهد فني لافت،من توضيب إضاءة مدروس وتنفيذ متقن من قبل رشدي،وخيارات موسيقية جريئة تبناها خليل المويل،ومؤثرات صوتية مبتكرة قدمها رامي عاشور، وتصميم ديكور محمل بالدلالات نفذه ببراعة طلال الجبر،وإشراف مسرحي(سمعان العاني) وعام (ابراهيم الحمدان) منظم، فإن الخط الدرامي للمسرحية كاد أن يصل ذروة التجلي لولا التشتت الذهني وإصرار عاشور(المؤلف والمخرج) على إقحامات سياسية احتوى بعضها على مباشرة ووقع بعضها الآخر ضحية التسطيح.
ورغم الكلام المكتوب في كتيب العرض عن كون المسرحية من النوع السايكودرامي وبأنه عرض يدخل في حقل الطب النفسي والهوة الموجودة بين الأصحاء والمرضى النفسيين،وضرورة ردمها بالحوار البناء والاحترام المتبادل،فإن واقع حال العرض قال غير ذلك،وغائية المسرحية ورسائلها التشفيرية ذهبت باتجاه آخر.
وتنقل محمول المسرحية السعودية التي أطلقت نصف ساعتها الأولى مكامن دهشة وهدرت بعنفوان تحول طاقة الوضع الكامنة والمكبوتة إلى طاقة حركة صاخبة وغير متوقفة، بين عناوين الأخبار العربية منذ عقود، موت عبدالناصر، الهيام بكوكب الشرق أم كلثوم، الحالة الفلسطينية، احتلال العراق وإسقاط التمثال ومن ثم إعدام صدام حسين، تناحر الأخوة والأشقاء في أكثر من حالة عربية.
ولأنها بالأساس عناوين أخبار سياسية وتشكل جزءا من هواجس أي إنسان عربي،وكثير منها تقبل تباينا في الآراء ووجهات النظر والمواقف، فإن إعادة حملها بكل تناقضاتها ومباشرتها وإلقائها جزافا فوق خشبة المسرح هو فعل ينطوي على مخاطر كثيرة، إن لم يترافق مع رؤية فنية تشف ولا تقول،وتبني منظورها ونسقها الفني الجمالي الأخلاقي بعيدا عن تأثير الشارع، فالفن يقود ولا ينقاد، وهو ليس بأي حال من الأحوال مرآة للواقع، بل هو إعادة إنتاج إبداعية(خلقية) جمالية قيمية له.
ويشهد للمخرج وصاحب فكرة العمل،حسن اختياره لممثليه،والجهد الواضح في إعدادهم وتدريبهم ليقوموا بالحركات الأكروباتية التي قدموها وليظهروا بكل تلك اللياقة والرشاقة التي ظهروا فيها وأبهروا جمهورا عريضا تابع مسرحيتهم وخرج منها متباين الآراء وهو ما يسجل أيضا لعاشور.
وعلى صعيد التابوهات المحرمة،شاكس العرض رؤوس مثلثها الثلاثة (الجنس والدين والسياسة) بجرأة معقولة وأسلوب ذكي وقيادة فنية لماحة، والطريف في العرض السعودي "الرقص مع الطيور" أنه لم يترك مسألة عربية تسلم من رصده باستثناء حالته هو(السعودية) والغوص في تناقضاتها والاقتراب ولو قليلا من إشاراتها الحمراء!!
ورسم العرض في سياق مشاهده صورا جمالية أخاذة وبنى تكوينات وتشكيلات بصرية أيقونية متقنة ومدهشة،وظل قادرا على اجتراح خيارات متجددة إنْ على صعيد الأداء الحركي والتكويني أو على صعيد الموسيقى المرافقة.