العالم بين مطرقة الغذاء وسندان الطاقة!
عدد القراء: 167
26/04/2008 كتب عبدالحق بوقلقول:
احتضنت العاصمة الإيطالية روما، الاثنين والثلاثاء الماضيين، أشغال المنتدى العالمي للطاقة الذي ارتأى المنظمون له أن يكون «الحوار حول الطاقة لمواجهة التحديات البيئية» أهم موضوع يتطرق إليه المشاركون، إلا أن النقاشات ركزت في المقابل على القضية التي باتت الشغل الشاغل حاليا لكل الاقتصاديين والسياسيين عبر العالم، وتتعلق بواقع الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية، والتطورات الخطيرة التي باتت تحدثها في أكثر من مكان في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، مع ما يعنيه هذا من نذر تهدد بقلب معادلات التوازنات السياسية الدولية القائمة حاليا رأسا على عقب!
لم يكن من الغريب بالتالي والحال كذلك، أن يكون هذا الموضوع هو عصب الأشغال ومحط اهتمام الحاضرين من ممثلي الدول المستهلكة والمنتجة للطاقة، إلى جانب ممثلي الشركات المنتجة أيضا، حيث ان معظم المداخلات ركزت منذ البداية على موضوع الوقود الحيوي، الأمر الذي اعتبره بعض المعلقين «عريضة اتهام» لهذا النوع من الوقود، إذ إن المشاركين أجمعوا كلهم تقريبا على تحميل هذه المادة مسؤولية تفاقم أزمة الغذاء في العالم.
في هذا الإطار، لم يشأ رئيس الحكومة الإيطالي المنتهية ولايته رومانو برودي التخلف عن الركب، وتوجه بالنقد صراحة إلى الدول «التي تدعم الزراعة المؤدية إلى إنتاج الوقود الحيوي» من خلال جزمه أن «هنالك صراعاً بين الغذاء والوقود، وأما نتيجة ذلك فهي صراعات اجتماعية كارثية مقابل نتائج بيئية مشكوك في نجاعتها»، مما يعني أن هذا الناشط اليساري يقصد هنا أن تطور إنتاج الوقود الحيوي عبر العالم، وإن كان يعد بتحسن طفيف في مستوى انبعاث الغازات السامة الضارة بالغلاف الجوي، إلا أنه من ناحية أخرى يفرز، وبشكل أكيد، معضلات اجتماعية توشك أن تنقلب ثورات كارثية في أكثر من مكان في العالم!
من ناحية أخرى، صارت حالياً المكاسب المادية، الكبيرة والسهلة في الوقت ذاته من هذا النشاط، تشجع وبشكل متزايد المزارعين في مناطق كثيرة من الكوكب على الابتعاد التدريجي عن زراعة القمح وباقي أصناف الحبوب من أجل تكريس مساحات أوسع لزراعة النباتات المخصصة لإنتاج الوقود، مما يعني بناء على هذا اندلاع مشكلات تموينية في ما يخص المزروعات التقليدية ومستوى عرضها في الأسواق لتنشأ، في المقابل وبشكل تلقائي، أزمات غذائية حادة في أكثر من بلد.
أما في اليوم الثاني والأخير من الأشغال الذي كان على المستوى الوزاري، فلقد جرى التركيز على مناقشة الخطوات الواجب اتباعها لأجل «تعزيز فرص حصول الدول النامية على الطاقة»، وهو المطلب الذي نبه بعض المشاركين إلى أنه غير ممكن في غياب العمل الجدي على توفير مصادر الطاقة البديلة وتطوير التكنولوجيات الحديثة في هذا الشأن، كمثل الطاقة الشمسية، خصوصا أن أغلب الدول التي تعاني هذا النوع من المشكلات،تملك في المقابل احتياطيات طاقوية ضخمة، وفي وسعها فيما لو بادرت الدول المتقدمة إلى دعمها، أن توفر أموالا ضخمة من خلال الاستثمار في إنتاج الطاقة اعتمادا على الطاقة الشمسية على اعتبار أن هذه الأخيرة، بغض النظر عن نظافتها، تعد طاقة مستدامة ولا مجال للحديث عن قرب نفادها.
و على الرغم من أن منظمي المنتدى أكدوا أخيرا، أن «الشكوك حول الاحتياطيات ومستوى الطلب العالمي على النفط والغاز، تفرض تحديات كبيرة على الإنتاج واستراتيجيات الاستثمار»، فإن ممثلي البلدان المستهلكة، والغربية منها بشكل خاص، ركزوا مقابل ذلك، بحسب ما تولى وزير البيئة الفرنسية جون لوي بورلو التعبير عنه، على «الحاجة الماسة لتحسين مستوى الشفافية التي من شأنها أن تخفف من حجم الضغوط على السوق العالمية للطاقة، وتساعد على تقدير أدق للاحتياجات المستقبلية منها، فضلا عن تسهيل السياسات الواجب اتباعها على المدى الطويل»، مما يؤدي بالتالي إلى القول إن العالم حاليا يعيش على وقع تهديدات متناقضة: أولها يخص الكوكب ومستقبل الحياة البشرية فوقه على وقع تطورات بيئية خطرة أوجدتها المستويات غير المسبوقة في كمية الاستهلاك اليومي من الطاقة في الاقتصادات المتقدمة وحتى في الاقتصادات الناشئة أخيرا، كما هي حالة الصين والهند، والثاني يرتبط بهموم غذائية إنسانية تتهدد أبسط الحقوق المعيشية لمئات ملايين البشر في ما لا يحصى من مناطق، مما يحتم علينا القول ان الحضارة الإنسانية بهذا الشكل «سائرة في طريق حتفها بظلفها»، ولا مجال للحياد هنا، إذ من غير الممكن لأي عاقل، مهما كانت ميوله وقناعاته، الاعتقاد أنه بعيد عن نتائجها وتطوراتها!