البطالة ومستقبل أسواق العمل في الكويت 4 ــ 4
هل الكويت أمام أزمة بطالة مستقبلية حادة؟
عدد القراء: 165
29/04/2008 أصدر المعهد العربي للتخطيط اخيرا عددا جديدا من سلسلة اجتماعات الخبراء التي تعقد في المعهد، تناول موضوع «البطالة ومستقبل اسواق العمل في الكويت»، ويقول مدير المعهد الدكتور عيسى الغزالي في تقديمه لهذا العدد: انه ودون الدخول في تفاصيل فنية، فإنه يهمني ملاحظة ان هناك اتفاقا دوليا على امكانية قياس الانجازات التنموية لمختلف الدول من خلال مؤشر التنمية البشرية الذي طوره برنامج الامم المتحدة الانمائي، وعلى اساس من قيمة هذا المؤشر تصنف الدول في ثلاث مراتب هي: تنمية بشرية مرتفعة، تنمية بشرية متوسطة وتنمية بشرية منخفضة.
وفي اطار التصنيف الدولي لاحظ د. الغزالي ان الكويت قد سجلت اداء تنمويا متميزا في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وقد انعكس هذا الاداء التنموي المتميز في احتلال الكويت للمرتبة الاولى بين الدول العربية ذات التنمية البشرية المرتفعة، وذلك وفقا لمؤشر التنمية البشرية لعام 2005.
وقال انه على الرغم من هذه الانجازات التنموية المتميزة، فإن الجدل لازال واسعا حول عدد من القضايا التنموية، وقد تمحور هذا الجدل حول امكانية زيادة دور القطاع الخاص في الاقتصاد الكويتي، وكيفية تصحيح اختلالات سوق العمل، وحسب التصريحات الرسمية للقيادة العليا للدولة فإن «زيادة دور القطاع الخاص في الاقتصاد الكويتي» يعتبر احد الاهداف الاستراتيجية، ويمكن دون تناقض، اعتبار «تصحيح اختلالات سوق العمل الكويتي» احدى الوسائل لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي.
وفيما يلي الحلقة الرابعة والاخيرة من موضوع «البطالة ومستقبل اسواق العمل في الكويت»، والتي تتضمن التوصيات والخلاصات التي انتهى اليها الخبراء:
إعداد: المعهد العربي للتخطيط
نموذج الاسقاطات الديموغرافية للسكان الوافدين لا يمكن ان يقدم تقديرا دقيقا لحجم السكان في المستقبل، ذلك لان حركية السكان الوافدين لا تخضع للقيود الديموغرافية وحدها، فبالنظر الى بيانات تصاريح العمل، التي تنظم حركية السكان الوافدين في الكويت، تبين ان اجمالي تصاريح العمل قد وصل في سنة 2006، الى حوالي 658298 منها 98197 تصريح عمل جديدا، اي ما يعادل حوالي 15% من الاجمالي، وتم الغاء حوالي 39824 تصريحا (6%)، بالاضافة الى وجود قوانين تمنع دخول المعالين الى قوة العمل اوتوماتيكيا، واجبارهم على مغادرة الدولة عند بلوغ سن الدخول الى سوق العمل.
ارتباط وثيق
ومع وجود ارتباط وثيق بين اقامة الوافدين ووضعهم في سوق العمل، بالاضافة الى قوانين تنظيم الاقامة عبر نظام الكفيل، ونظرا لارتباط تواجد العمالة الوافدة في سوق العمل وارتباط اقامتها بالعمل، فقد تم افتراض ان اعداد العمالة الوافدة تتعدل حسب متطلبات سوق العمل، وانه سيتم توظيف سياسة الهجرة والاقامة حسب متطلبات هذا السوق عبر استمرار نظام الكفيل. يفترض النموذج ان مستوى التوظيف في القطاعين العام والخاص هو المحدد لحجم قوة العمل الوافدة، وذلك بافتراض ان معدل بطالة الوافدين مثبت عند مستوى عام 2006.
كما تم افتراض ان عدد السكان الوافدين محدد بحجم القوة العاملة، وذلك عن طريق تقدير علاقة خطية بين قوة العمل والسكان الوافدين، ان هذه الافتراضات حول قوة العمل الوافدة سينجم عنها تغير اعداد السكان الوافدين حسب الوضع الاقتصادي السائد، خصوصا في ما يتعلق بتطورات التوظيف في القطاع العام، ومدى تفعيل سياسة الاحلال، وكذلك تطورات التوظيف في القطاع الخاص ومدى تفعيل قانون دعم العمالة الوطنية.
التوظيف والقطاع العام
في ما يتعلق بالتوظيف في القطاع العام، فقد تم افتراض ان حجمه مرتبط باجمالي السكان وان توزيعه بين وافد ومواطن يعكس سياسة الاحلال (نسب العمالة الوافدة والوطنية في القطاع العام)، اما التشغيل في القطاع الخاص فهو مرتبط بمستوى الانتاج وبفارق الاجور بين القطاعين العام والخاص، وقد تم تحديد هذه العلاقة بافتراض ان القطاع الخاص يقوم بتخفيض التكاليف وباستخدام نسب العمالة الوطنية والوافدة بمعدلات الاجور السارية في السوق.
اما الطلب على انتاج القطاع الخاص، فيتحدد بمستوى انتاج القطاع النفطي وانتاج القطاع العام غير النفطي، وقد حدد انتاج القطاع النفطي بدالة انتاج فنية تفترض ان الانتاج محدد بحصص الانتاج وسعر النفط الحقيقي في الاسواق الدولية.
اما انتاج القطاع العام غير النفطي، فقد افترض نموه بمعدل ثابت تم حسابه من البيانات التاريخية.
وهكذا، فإن تقديرات الناتج المحلي الاجمالي المستقبلية تعتمد اساسا على افتراضات وتطورات الانتاج النفطي والسعر الحقيقي له، وهذه المعادلات والعلاقات ستسمح بحساب تدفقات سوق العمل الكويتي مستقبلا حسب الفرضيات حول هيكل الاقتصاد وسوق العمل، وكذلك حول احتمالات المستقبل، خصوصا تطورات النمو وسياسات سوق العمل، التي تمت صياغتها في تصورات بديلة.
الخلاصة
حققت الكويت بفضل الطفرة النفطية وبخطى متسارعة تقدماً مرموقاً في مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث وصل مستوى دخل الفرد الى اكثر من 30000 دولار اميركي في سنة 2005. كما حققت الكويت مستوى تنمية بشرية مرتفعا. وبالرغم من هذا الأداء الجيد، فإن دولة الكويت تواجه تحديات اقتصادية كبيرة ناجمة عن اعتماد الاقتصاد علىالموارد الطبيعية، حيث يؤثر النفط بشكل قوي في الاقتصاد ويشكل المورد الأساسي للموازنة العامة وميزان المدفوعات، بالاضافة إلى اعتماد نشاط القطاع الخاص على الانفاق الحكومي المحدد بالريع النفطي. كما ان دولة الكويت تواجه تحدي الابقاء على مكاسب دولة الرفاه، وخصوصا توفير العمل في القطاع العام للمواطنين بشروط مغرية، وتوفير الخدمات الحكومية بأسعار متدنية. مما أدى إلى توسع حجم القطاع العام وبلوغ حدوده وارتفاع التكاليف، حيث إن الكتلة الأجرية تشكل نسبة مرتفعة من الانفاق الحكومي الجاري.
ومع ارتفاع مُعدلات نمو القوة العاملة وارتفاع مُعدلات الالتحاق بسوق العمل، خصوصا فئتي الشباب والاناث، فقد بدأت تظهر ضغوطات قوية على سوق العمل، التي قد تتحول إلى بطالة سافرة، إن لم يتم تدارك الوضع من قبل صناع القرار.
إن مُواجهة هذه الإشكالية يتطلب تصحيح مكامن الخلل، المتمثلة أساساً في عدم تنوع الاقتصاد وضيق قاعدته الإنتاجية، وتركز العمالة الوطنية في القطاع العمومي وعزوفها عن التوجه نحو القطاع الخاص، الذي يعتمد إلى حد كبير على توظيف الوافدين بشروط تسمح له بتخفيض التكاليف وتحقيق أكبر قدر من الإنتاجية.
بلغ عدد سكان الكويت في سنة 2006 حوالي ثلاثة ملايين، يشكل الوافدون الثلثين ومن المتوقع حسب الاسقاطات ارتفاع عدد السكان الكويتيين في سنة 2032 سيصل إلى 1،69 مليون، بمعدل نمو وسطي قدره 2،6% . وقد شكلت قوة العمل الكويتية حوالي ثلث السكان الكويتيين ومن المتوقع ان تصل قوة العمل الكويتية في سنة 2032 الى 0،845 مليون فرد بمعدل نمو سنوي قدره 3،6% ما بين 2006 و2032.
وبافتراض بقاء المعطيات الهيكلية للاقتصاد الكويتي على حالها، المتمثلة أساساً في ثبات الإنتاج النفطي والأسعار النفطية بالقيمة الحقيقية عند مستوى 2006، بالاضافة إلى توزيع العمالة الكويتية في القطاع العام بنسبة 75% و3% في القطاع الخاص، فإن الاسقاطات المستقبلية تدل على ان دولة الكويت ستواجه أزمة بطالة حادة، مما يستدعي إجراء تعديلات جذرية في هذه الخصائص الهيكلية.
وفي حالة تصور يتسم ببيئة اقتصادية دولية جيدة تتمثل في ارتفاع أسعار النفط تدريجياً لتستقر عند مستوى 80 دولاراً للبرميل في سنة 2032، وكذلك ارتفاع إنتاج النفط إلى مستوى 4 ملايين برميل يومياً، فإنه بالرغم من هذه البيئة الجيدة، ومع تسارع معدلات نمو القوة العاملة فإن معدل البطالة سيكون مرتفعاً بشكل كبير. فهمهما كانت التطورات المستقبلية للاقتصاد الكويتي، فإن صناع القرار يحتاجون إلى تفعيل سياسات سوق العمل لامتصاص فائض العمالة الوطنية التي ستدخل مستقبلاً إلى سوق العمل، ففي ظل الوضع القائم، فإن تصور توسيع الإحلال في القطاع العام وتنمية القطاع الخاص لن تؤدي إلى امتصاص هذا الفائض في حالة بقاء تركز العمالة في القطاع الحكومي، أو في حالة اعتماد القطاع الخاص على توظيف الوافدين بشكل كبير.
إن الخيار الاكثر نجاعه في كلا الوضعين، سواء استمرار الوضع القائم أو تحسن البيئة الدولية، هو تفعيل قانون دعم العمالة الوطنية حب نسب متزايدة لامتصاص ارتفاع قوة العمل، التي يتوقع تناقص وتائرها مع تراجع معدلات نمو السكان وانخفاض شدة حركية السكان مستقبلا. إن تفعيل حزمة من السياسات التي تتضمن: رفع نسب القطاع الخاص، وتوسيع حركة الإحلال في القطاع الحكومي، وتدعيم العمالة الوطنية للعمل في القطاع الخاص، ستسمح بالتحكم في سوق العمل الكويتي، وتبقى معدلات البطالة في مستويات مقبولة، وعليه فإن الأمر ستيطلب تغيير توقعات المواطنين وتفضيلاتهم حول نوعية العمل وطبيعته، والاستعداد للعمل في مجالات كانت حكراً على الوافدين.
سلسلة اجتماعات الخبراء
تهدف هذه السلسلة إلى المساهمة في نشر الوعي بأهم القضايا التنموية عموماً، وتلك المتعلقة بالدول العربية خصوصاً، وذلك بتوفيرها لنصوص المحاضرات، وملخص المناقشات، التي تقدم في لقاءات عامة دورية يقوم بتنظيمها المعهد خلال فترة النشاط التدريبي، وحسب المناسبات.
ونظراً لحرص المعهد على توسيع قاعدة المستفيدين يقوم بتوزيع اصدارات السلسلة على أكبر عدد ممكن من المؤسسات والأفراد والمهتمين بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية، على أمل ان تساهم هذه الاصدارات في دعم الوعي بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ونشر الآراء المختلفة للتعامل مع هذه المشاكل في البلدان العربية.