بعد 24 ساعة فقط على سريان قرار الحكومة برفع اسعار المشتقات النفطية، بادرني صاحب احد محلات الخضار والفواكه بالقول: لقد رفعوا علينا اسعار الملفوف والزهرة.. فهل تسقى الزهرة والملفوف بالبنزين والكاز؟!
هذا السؤال يشير الى حالة نشهدها مع كل عملية لرفع الاسعار، إذ تنتقل عملية الرفع تلقائيا الى كثير من السلع والخدمات، حتى تلك التي لا علاقة لها بالمواد التي تم رفعها، ليصبح الامر اشبه بالحمى التي تسري في كل اوصال الحياة. فالكل يشعر ان عليه ان يحصل على حقه، وان يعوض ما لحق به نتيجة رفع الاسعار. ومحصلة كل هذا على المواطن، او تحديدا على اصحاب الرواتب المحدودة. فالجميع يرون ان رفع الاسعار ألحق بهم ضررا ما، ويبحثون بالتالي عن التعويض من جيب المواطن. وهكذا، اينما تذهب، تجد رفعا للاسعار والخدمات بشكل ملموس، او بما لا يشعر به الناس.
ولهذا، فإن قول الحكومة ان ما يلحق بالمواطن من رفع الاسعار لا يتجاوز 360 قرشا فقط، وان زيادة 5 دنانير اكثر مما سيلحق بالمواطن، هو تفسير نظري بعيد عن الحقيقة والواقع. وحتى مع تثبيت سعر الخبز، فإن هذا لا يعني ان سلعا وخدمات عديدة لن يرتفع سعرها، بخاصة تلك التي لا تخضع للرقابة. فما الذي سيمنع، مثلا، اصحاب المخابز من رفع سعر الكعك وانواع الخبز الاخرى؟ وما الذي سيمنع اي صاحب محل خدمات من رفع اسعار خدماته ايا كانت؟
الحقيقة تشير الى ان رفع الاسعار يصنع حالة عامة من ارتفاع الاسعار، وان قياس تأثيرها لا يتم فقط من خلال حساب ما يستهلكه المواطن من غاز وكاز وبنزين، فهذا حساب تبريري، لكن الواقع ان الحياة كلها تتأثر، ليس فقط بقرارات الحكومة بل بجشع البعض، وتجار المراحل الانتقالية، واستغلال البعض لغياب الرقابة او ضعفها. والبعض يعتبر نفسه ظلم من رفع الاسعار ولم يحصل على زيادة، فيحاول "اخذ حقه بيده"، عبر رفع اسعار الخدمات والسلع التي تحت يديه. وكل هذا ينعكس، اولا واخرا، على المواطن، الذي يمثل جيبه الهدف الحقيقي لسياسات الاصلاح الاقتصادي، وجهود كل الجهات التي ترفع الاسعار من تجار؛ كبارا كانوا ام صغارا.
ولعل من التعليقات الطريفة ما قالته سيدة ذات خبرة كبيرة ومن "الحرس القديم"، عندما تلقيت منها اتصالا غاضبا محتجا على الزيادة على الرواتب، معلنة انها تقترح تبرع الموظفين بالدنانير الخمسة للحكومة والنواب لأنها لا تسمن ولا تغني من جوع، ولأن هذه السيدة الريفية ليست على ثقة بالعمر الطويل للاجراءات التقشفية التي اعلنتها الحكومة والنواب، وهذا التشكيك مشروع وطبيعي بعد العقود الطويلة من البذخ الذي لا يمكن التخلي عنه بقرار او تعليمات.
اما مواطن اخر، فقد تساءل عن الطريقة التي سيتعامل بها مجلس النواب مع عشرات السيارات التي اشتراها ودفع ثمنها مئات الالوف من الدنانير، ولماذا لم تستمع ادارة المجلس لكل الاراء الشعبية التي انتقدت صفقة السيارات، وماذا لو لم تستطع بيعها للنواب، وهل ستباع مجمركة مستفيدة من الاعفاء الجمركي الحكومي ام سيشتريها النواب بكامل ثمنها... واذا كان البيع بأسعار مخفضة، فأين التقشف والخزينة ستدفع فرق الاسعار لقرار باذخ اتخذته ادارة المجلس بالشراء؟
واخيرا، فإن علاقة الزهرة والفاصوليا بالبنزين والغاز علاقة حقيقية، لأن دورة الاقتصاد واحدة، وكل قرش يزيد على سعر المواد الاساسية يفتح الباب لسلسلة من القروش والدنانير التي تتزايد على الاسعار في مختلف المواد والسلع والخدمات.