قبل شهور، اتخذت الحكومة السابقة قرارا بتخفيض الرسوم او الضرائب على السيارات ذات المحركات الكبيرة. وكان القرار غريبا، لأن هذه السيارات تستهلك وقودا بكميات كبيرة، ونحن دولة لدينا مشكلة اسمها الفاتورة النفطية، ونحاول ترشيد استخدام الطاقة! الان، تقوم الحكومة برفع تكلفة السيارات ذات المحركات الكبيرة، وكما تقول مصادر حكومية في تصريحات صحافية، فإن هذا القرار الذي يزيد من تكلفة الترخيص السنوي للسيارات ذات المحركات الكبيرة، يهدف الى تشجيع المواطن على شراء سيارات صغيرة، وتوفير استهلاك الطاقة، واختزال جزء من الفاتورة النفطية؛ اي ان قرار رفع رسوم الترخيص هو لمصلحة المواطن.
من حيث المبدأ، فإن المصلحة العامة ان نذهب في اي اتجاه يرشد استهلاك الطاقة، ويخفض من فاتورتنا النفطية الخاضعة للازدياد مع كل حركة في سوق النفط. لكن هذا الامر يستدعي سياسات وقرارات متجانسة؛ فالاصل ان تزيد الرسوم والجمارك على السيارات ذات المحركات الكبيرة قبل ان تدخل السوق، وقبل ان تدخل الخدمة؛ اي ان من يملك المال والرغبة لشراء سيارة ذات محرك كبير عليه ان يدفع رسوما وجمارك، ومثل هذا القرار قد يخفف اعداد المشترين لمثل هذه السيارات الفاخرة والغالية والمكلفة من حيث الثمن والصيانة وسعر البنزين، لكن رفع رسوم الترخيص السنوية على السيارات ذات المحركات الكبيرة لا يخفف من الاقبال على هذه السيارات، وكل نتائج القرار انه سيزيد الاعباء على المواطنين؛ فمن يملك سيارة ذات محرك كبير لا يقوم برميها والاستغناء عنها اذا تم رفع رسوم ترخيصها، بل اقصى ما سيفعله ان يبيعها لمواطن اخر، اي ان استهلاك الطاقة (ان كان هو الدافع لرفع الرسوم) سيبقى.
وحين نتحدث عن السيارات ذات المحركات الكبيرة، فإننا لا نتحدث فقط عن السيارات الفاخرة جدا، إذ هناك سيارات قديمة ذات محركات كبيرة، وبعضها ذات اعمار تجاوزت 15 عاما، لكن اصحابها لا يجدون قدرة على تغييرها، وهم يصنفون من اصحاب السيارات ذات المحركات الكبيرة، وكأن احدهم يملك سيارة موديل 2006!
احد الموظفين المصنفين ضمن مالكي المحركات الكبيرة (القديمة) يقترح على الحكومة ان تخرجه وامثاله من هذا التصنيف، وان تسمح لهم باستبدال سياراتهم القديمة ذات المحركات الكبيرة بسيارة صغيرة من دون جمرك جديد. وهذا، وفق رأيه، قد يحقق الهدف الذي تتحدث عنه الحكومة، وهو تخفيض استهلاك الطاقة، اما رفع رسوم الترخيص على السيارات العاملة فهذا يحقق ايرادا للخزينة، لكنه لا يخفض فاتورة النفط.
مما سبق، فإن السيارات ذات المحركات الكبيرة صنفان: الاول يجري شراؤه كل يوم عبر الاستيراد، الأمر الذي يمكن الحد منه، ومن قيمة فاتورته النفطية بالتالي، من خلال زيادة الجمارك والرسوم، إذ لا يقدم على شراء هذا الصنف الا صاحب الثراء والقدرة على الدفع. أما الصنف الثاني فهو قديم، ويحافظ عليه اصحابه لغياب الخيارات، او لسعره القليل نسبيا واستعماله المحدود لهم. ورفع رسوم ترخيص سيارات هذا الصنف يشكل عبئا ماليا على اصحابها. وكما اشرت، فإنه يمكن تحقيق هدف تخفيض الانفاق البترولي عبر شطبها والسماح لأصحابها بامتلاك سيارات صغيرة المحركات، او على الاقل المحافظة على رسوم ترخيصها الحالية؛ اما رفع الرسوم بشكل شامل، ومن دون مراعاة التفاصيل، فلا يحقق الهدف المنشود.
بالمناسبة، فإن ما قالته حكومة سابقة، حين رفعت اسعار المشتقات النفطية، عن تقشف في السيارات الكبيرة الرسمية قد تم نقضه، وعادت الامور الى ما كانت عليه تقريبا، وربما يشمل هذا كل اشكال الترشيد وخططه وبرامجه التي قدمتها الحكومات، كأحد اشكال معالجة عجز الموازنة، وللتضامن مع فقر الناس وحاجتهم.