آمال الأمة وليس آلامها .
ففي شهر رمضان المبارك العديد من الأحداث الهامة في تاريخ أمة الإسلام المباركة ، ففيه بدر الكبرى ؛ يوم الفرقان ، وفيه الفتح الأكبر ؛ فتح مكة ، وفيه فتح الأندلس ، وفيه عيون المعارك ؛ عين جالوت .
والداعية الفقيه لا يعرض هذه الأحداث سردًا قصصياً ، يداعب به نفوس الناس ، ويجعلهم يعيشون مع دغدغة التاريخ وأمجاده ، كلا ، بل يربط بين حال المسلمين في أيام التتار ، وما وصل إليه حالهم في تلك الفترة، وسبب ذلك التراجع ، وكيف نهضت الأمة ، وزيحت عنها الغُمة المغولية ، وكيف دخل معظم التتار في دين الله تعالى ، من خلال قوة المسلمين ، ومن خلال حسن التعامل معهم ، هذا ، مع التغول الحالي لقوى الظلم والقهر اليوم ، ومهما وصل الحال ، ومهما ضاق الأمر على الأمة، سيكون لها عين كعين جالوت ، تتجلى فيها نفوس المؤمنين التقية ستارًا لقدرة الله بنصرة دينه سبحانه وتعالى.
ولن يكون الفرقان لهذه الأمة لتشق طريقها في الحياة والممات ، إلا بذلة لله تعالى وأوبة له وفرار إليه : { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } ، فلا هو الإعداد المادي فحسب ، بل يقدم عليه إعداد النفوس لتكون أهلاً للفرقان في حياتها .
فقد نشر المسلمون العلوم في أندلس جميلة وأشاعوا فيها العدل والعلم ، وأسسوا المنابر للدنيا كلها ، دون احتكار أو هيمنة، هذا ، وبعد أن تفشت الخلافات ، ونزلت الاهتمامات عند قادة المسلمين ، سلب منهم كل شيء ، تلك دروس يطول بسطها ها هنا ، ولكل داعية عالي الوعي مزيد علم ونضج يبثه للناس .
نربط ذلك كله بما يجري اليوم على الساحة الإسلامية، وما يعصر قلب المؤمن من ألم فيها ، غير أننا ندفعه بأمل في تحقيق تلك الأمة للقوانين والسنن ، مع تفاعل معها الآن ، إذ نحن حملة الأشرعة البيضاء ، مهما جرت الرياح بما لا نشتهي .
فها هي أماكن مقدسة تنتهك فيها حرماتنا، ويدنسها يهود وأعوانهم، نرفع من الاهتمام بها في قلوب الناس، ونعرض لهم الخبر اليقين فيها ، نحرك إيمانهم للتفاعل معها بكل ما يقدرون عليه ، من دعم مادي لمستحقيه من الضعاف ، ولمستحقيه أكثر من الأقوياء المجاهدين على أرض الإسراء والمعراج ، وهو الدعاء لهم في كل وقت فرادى وجماعات ، مع تعبيرات حضارية على هيئة اعتراضات لما يجري ، كل في بلده ، وما يتاح له من الأعمال الحضارية التي تبني المجتمعات ولا تهدم الدعوة ! .
في فلسطين ، المجاهد الفلسطيني زلزل الأرض من تحت أقدام اليهود ، وهم متمكنون في أرضه ، بمدنهم وقراهم ومستوطناتهم ، وجيوشهم النظامية والاحتياطية ، وأسلحتهم الفتاكة الجوية والبرية والبحرية ، وتقف من ورائهم الدولة الأمريكية الظالمة بالمال والاقتصاد ، والإعلام والسياسة والدبلوماسية ، ولكن الشعب المجاهد يقف بكل شجاعة واستبسال ، أمام تلك القوة العاتية ، لا فرق بين شاب وشابة ، ورجل وامرأة ، زلزلوا أقدام العدو ، بإمكانات مادية ضعيفة ، ولكن بقلوب أفرغ الله عليها من الصبر، ما جعلها رابطة الجأش مطمئنة عند لقاء العدو الغاشم ، وأجساد نحيفة نحيلة ، ولكنها أشد ثباتًا من الجبال الصخرية الراسية .
دمر اليهود منازلهم ، وقصفوا مستشفياتهم ، وقطعوا أشجارهم ، وأغلقوا مدارسهم ، وجرفوا طرقهم ، وقتلوا منهم من قتلوا ، وأسروا من أسروا ، واغتالوا من اغتالوا ، وحاصروهم حصاراً قَلَّ أن يوجد له في العالم نظير ، ومنعوهم الطعام والشراب والكساء والدواء ، ورغم ذلك كله صمدوا ، وأرعبوا العدو ، وجعلوه يقف عاجزًا ، أمام أفراد قليلين من الشباب المسلم المجاهد ، الذي تخطى الحواجز المتصل بعضها ببعض ، وأجهزة الأمن والجيش الذين لا يخلو منهم شبر من الأرض ، ووصلوا إلى حيفا وقلب تل أبيب والخضيرة، وغيرها من المدن والمستوطنات المحصنة ، وقاموا بهجماتهم الاستشهادية التي أعلن اليهود عجزهم عن الوقاية منها ؛ لأن رجال فلسطين ونساءها ينفذونها بأجسادهم ، رغبة في لقاء ربهم شهداء ، ملبين داعي النفير في سورة النساء و سورة آل عمران ، وسورة الأنفال والتوبة ، وسورة الأحزاب وسورة الحشر .
كل هذه البطولات وهذا الصمود يريد دعمًا نفسيّا بالدعاء ، ودعما ماديّا بالمال ، ولتكن قضية فلسطين وقدسها المباركة قضية الأمة في هذا الشهر المبارك ، بتفاعل وإعلام وإنفاق مال، ودفع الزكوات للمجاهدين النبلاء.
وفي بلاد الرافدين العراق الحبيب، يراد له اليوم الخراب من قوى الظلم والطغيان، ولن يتورعوا عن تدميره وعمل كل مشين فيه ؛ تلك عراق دار السلام ، عراق دار الخلافة ، وإن سادها الظلم قبلهم ، تظل داراً للسلام عندنا ، ومنبع الحكمة قديماً .
إن نصرة إخواننا في العراق لهي من أكبر القضايا الأولية الآن ، وقد بدأت الفضائح للعدو تطغى عالمياً ، لكن أيضاً بدأت لمعات سيوف المقامة تثخن فيهم ، برغم الأخطاء وبرغم التشويه ، يظل خيار المقاومة المنهجية هو خيار أهل العراق وكل من يحب الخلافة ودارها .
حمزة الذي لا بواكي له : ليبيا ، فاليوم خيرة أبناءها في سجون الظلم ، من بعد صبر وتحمل لسنوات من القهر داخل السجون ، ها هم اليوم أولئك الرجال العلماء يضربون على الطعام في ضرب لصورة من التضحية والبذل أخرى ، وفي تعتيم إعلامي كبير على قضيتهم ، ومماطلات للمحاكمات الهزيلة التي طرفيها في أيدي أهل الظلم والتخلف ، مَن لحمزة ليبيا ؟؟ من له إن لم يتكلم الدعاة والعلماء وطلاب العلم ! مَن سيبين للناس حقيقة ما يجري لخيرة أهل البلد الأنقاء أصحاب الأيادي المتوضئة ، هذا هو دور الدعاة والعلماء وطلاب العلم و كل ناشط إسلامي ، إنها بلد المختار يا سادة ، ولسوف تسألون ..
علينا - أيها الدعاة - أن نُفعّل هذه الموضوعات في تيار عام نصنعه ، ونعطي الناس الخبر الصحيح في فقهها ، وكيفيه نصرتها ، وفضح كل ظالم ومتعاون وصامت ، ورفع الأيادي في القنوت في جماعة المسلمين بالدعاء لإخواننا جميعاً ، وأمر الدعاء لا يستهان به ، فقد زلزل الروس في غزوهم للشيشان ، وطلبوا منعه ، فنكثر منه على الملأ ، ونحرض الأمة على الإخلاص فيه، فهذا أقل ما يجب ، فضلاً عن مال وزكوات ، وضغط إعلامي ، ونشر لهذه القضايا ولو بشق كلمة !!
ومن المهم أن نقرر في أذهان الناس أنه مهما تكالبت علينا الأمم ، ومهما كثر الظلم وعم القهر: { لن يضروكم إلا أذى } ، وهم { أحرص الناس على حياة } ، { ويمكرون ويمكر الله } ، وحقيقة : { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } لكن إيماننا قوي لأن: { وعند الله مكرهم } .
هذه قوانين ربانية تتعلمها الأمة من الداعية إذ هو يدلها على أبواب الصعود بذكاء.
أيها الداعية، إن إشاعة الحب الوثيق بكافة أنواعه لهو بدء الأمر، حبّا لله تعالى ولرسوله ، ولهذا الدين المبارك ، وما يحمل هذا المعنى من القرب لله تعالى في صنوف شتى ، وتأسياً بنبي كريم عليه الصلاة والسلام ، وتعميقاً للولاء لهذا الدين ، ولو كره الكافرون ، ولو كره الخانعون ، ولو كره الظالمون !
حبّا للناس والاقتراب منهم ، ولمس مشكلاتهم ، وحلها بلغة العمل الفصيح ، وتفريج الكربات عنهم ، من بعد تعلميهم سنن الله وقوانين حركة الحياة ، والدلالة على ضروب الذكاء الاجتماعي ، ومنها التغيير ، وربطهم بكتاب أُنزل لهم في رمضان .
وفي رمضان نفحات ومعانٍ يراد لها بسط ، غير أن تلك الرباعية أراها الدرجات الأُوَل على سلم الأولويات ، والله وليّ السداد لداعية فقيه ، أنار عقله فقاد ، وبكى في محرابه وانقاد .