| بغداد بين زمنين
مفتاح شعيب
عشنا فى مثل هذه الساعات قبل خمسة أعوام سقوط العاصمة العراقية بغداد تحت الغزو المتعدد الجنسيات بقيادة الجيش الأمريكى وطوابير من العملاء والخونة، وذهب فى ظن الملايين من الناس أن نكبة كبرى قد حلت بنا لن يكون بالوسع محو آثارها، خصوصا عندما نستذكر مشهد الدبابات فى قلب بغداد وهى تدنس ساحة الفردوس إخراج هوليودى رافق إسقاط تمثال الرئيس الراحل صدام حسين، والصورة المثيرة للجندى الذى يمسح وجه التمثال بالعلم الأمريكي، وهو مشهد انحفر فى الذاكرة بأكثر من دلالة إهانة ليظل راسخا لا ينسى.
وعندما نقف الآن على بعد خمس سنوات من تلك اللحظة، نكتشف أن بغداد اليوم صباح التاسع من نيسان- أبريل 2008، هى قطعا غير بغداد التى سُوّقت إلينا صبيحة التاسع من نيسان- أبريل 2003، والفارق بين الزمنين ليس خمسة أعوام فقط، بل أحداث ومواقف، استطاعت بفعل تلاحقها، أن تمحو ما علق بالأذهان من خيبة ذلك اليوم وأن تصحح ما عمل الغزاة على تقديمه أنه "الحقيقة" فى هذه العاصمة الأصيلة.
ومازال الحساب مفتوحا، والمسار الذى أريد للعاصمة العراقية أن تحشر فيه انقلب على مدبريه، وهاهم اليوم، وعكس توقعاتهم بأن يكونوا فى نعيم، يسقطون فى جحيم لا يطاق، ولم تنجح آلة التضليل التى أطلقوها بأقصى طاقتها أن تقنع حتى الجماد بأنهم نجحوا، كما لم تنج أكاذيبهم من دوى الفضائح وسقطت الأقنعة عن الجميع دون مواربة، وليتحول بذلك النصر المزعوم إلى كابوس تاريخى لا تعيشه الولايات المتحدة وحدها، بل معها كل العملاء والمتواطئين معها عربا وأجانب.
ولمعرفة الفشل يكفى النظر إلى قسمات وجه الرئيس الأمريكى جورج بوش أو وجوه جنرالاته ومساعديه، أو حتى وجوه "الجياد" التى امتطاها لغزو عاصمة الرشيد منطلقا من الكويت، وما سببه ذلك من تشريد لشعب يقف فى قمة حضارة يبلغ ارتفاعها سبعة آلاف عام، وقد يتساءل حتى الجاهل هل يمكن لبلد به كل هذه المزايا أن تستبيحه قوة غاشمة سجلها ناصع بالجرائم والمذابح والنهب فى مشرق الأرض ومغربها؟.
الجواب هو ما ترى وتسمع وتقرأ، ولن يتوقف الأمر عند إحصاء أكثر من أربعة آلاف جندى قتيل وضعفهم من المرتزقة وعشرات الآلاف من المصابين والمعتوهين، فاحصائيات القتلى ليست كافية لتحديد معايير الهزيمة للقوات الغازية، والعراقيون بدورهم فقدوا أكثر من مليون شهيد حتى الآن ولم ينهزموا، وهم بمقاومتهم التى تتلون وفق دهاء المحتلين وعملائهم أثبت قدما، وأمضى سهما، وأقرب إلى النصر.
وفى ضوء هذا المشهد، نريد أن نذكر من أضحكهم توعد الراحل صدام حسين يوم الحرب بأن الغزاة سينتحرون على أسوار بغداد، وقد أورد تقرير إخبارى قبل يومين أن صدام عندما ظهر فى الأعظمية بالتزامن مع وصول دبابات المحتلين إلى بغداد قال فى كلماته الأخيرة "أعد شعب الأعظمية بإقامة نصب ذهبية بعد هزيمة الأمريكيين"، وفعلا فقد صدقت نصف نبوءة الرجل، فيما يكاد النصف الثانى يتحقق.
ومثل هذا الموقف وغيره هو عزاء وسلوان للملايين الذين تألموا يوم دخول الغزاة إلى بغداد، ومشهد السقوط الذى صوروه على أنه لا يقل "عظمة" عن الوصول إلى القمر، هاهو ينقلب، ليجد الغزاة أنفسهم مع "جيادهم" يسقطون فى مستنقع سحيق، وتلك هى عظمة بغداد وذلك هو مصير من يتطاول على مجدها. |