الحديث عن الإصلاح السياسي يتزامن مع الإصلاح الاقتصادي وأمل المواطن الكويتي هو التخلص من الفساد برجاله ومؤسساته ونفوذه، وإعادة الاعتبار إلى المؤسسة البرلمانية من جديد بوصفها الملاذ الطبيعي الذي يعوّل عليه لاستمرار مسيرة الإصلاح الوطني ومقارعة أعدائه.
ميدل ايست اونلاين
لست متفائلا بقدرة المتميزين من أصحاب الكفاءات الفكرية والسياسية على تحقيق نتائج طيبة في الانتخابات التشريعية المقبلة في الكويت، فضلا عن التمكّن من الفوز والحصول على مقاعد في البرلمان، إلا إذا اتكأوا على عوامل أخرى لا علاقة لها بالكفاءة، بل بالحزب والقبيلة والانتماء المذهبي، لكنني أحمل الكثير من التفاؤل في المضامين السياسية والفكرية التي سوف يقوم أمثال هؤلاء المرشحين بتقديمها وتسجيلها خلال الأيام القليلة المقبلة.
مكمن التشاؤم أن البوابة التي تقرر الكفاءات الفكرية والسياسية عادة الدخول منها إلى ساح المنافسة البرلمانية هي فكرة الإصلاح الوطني، والرغبة في تحرير الفعل النقدي للنص السياسي من صفة مقال يُكتب في الصحافة أو خطاب يُعرض على الجمهور، إلى فعل إبداعي يُعلن احتجاجه على الواقع القائم بنبرة مرتفعة. سعيا منها إلى زحزحة الثوابت الفكرية والسياسية البالية، التي سيطرت على النص السياسي المحلي طوال السنوات الماضية، في الوقت الذي يلتقي فيه تقريبا جميع الأفراد والتيارات على أن بوابة الدخول إلى المواقع السياسية في الدولة، هو ممالأة الواقع القائم، والرضا بمخرجاته وإن كان بالصراخ ضده.
نظرة واحدة فقط إلى الواقع تكفي لمعرفة أين تقع فرص النصر والهزيمة في سباق الانتخابات البرلمانية والمواقع القيادية في البلد منذ سنوات وحتى الآن، وهي فرص ليست ذات صلة بالمنطق السياسي، أو الجدوى الوطنية، ولا تسير بالتوازي مع ما تقرره نظم الحكم والإدارة المعاصرة، بقدر ارتباطها بتقسيم الحصص والمغانم لعدد محدود من المستفيدين، وثمة من الطامحين إلى الوصول من يجيد فن اقتناص تلك الفرص، ويحسن استغلالها لتحقيق مآربه تحت غطاء الصوت الانتخابي وشرعيته، ولا يعنيه بعد ذلك إن قيل إن هذا الصوت هو حصيلة فساد، أو صلاح النص السياسي والسلطوي.
ذلك أن المعرفة السياسية ليست لها محل من الإعراب وسط المضارب القبلية والعائلية المهيمنة على الساحة السياسية، ولا تمثل الكثير من الأهمية وسط لعبة المحاصصات الطائفية والعرقية، ولا تقف أمام القدرة الفذة على اختراق المال السياسي لكل المعارك الوطنية وحسمها لمصلحة الجهات المتنفذة. وعلى الرغم من أنني من جملة الذين يحسنون الظن بتوافر رغبات ونوايا حسنة لإجراء إصلاحات حقيقية في المؤسسات السياسية، إلا أن وتيرة التراجع وتغلغل الفساد من شأنهما تحويل جميع الأزمات إلى بقع هيكلية ودائمة.
إن غياب المعرفة السياسية يعني أن تتحد السلطات في قالب واحد بدلا من أن يكون لكل سلطة شخصيتها المعنوية التي تميزها عن الأخرى، لينتهي المشهد باختفاء الدور الرقابي لأعضاء السلطة التشريعية، وانصهاره في قالب النظام، بحيث يكون لدينا سلطة تنفيذية وبرلمان بوصفه “ظل السلطة”، لا الرقيب على أدائها، ويشكل هؤلاء، النخبة المخملية التضامنية التي تقود الفعل السياسي في البلد ضمن خطوط مرسومة مسبقا، وليست لها علاقة من قريب أو بعيد بإعادة تأهيل السياسة، وتأهيل المدنية بعد ذلك.
تأهيل السياسة في جوهره يستهدف إعادة الاعتبار إلى المؤسسات الدستورية، لتأخذ زمام الفعل، والتحلق حول فكرة إنقاذ البلد من براثن الجمود السياسي، والتخلص من سيادة المنفعة الخاصة بوصفها باعثا لتراكم الفساد في المؤسسات الدستورية، والسعي نحو قيادة البلاد إلى حوار سياسي حقيقي يرتقي بالواقع إلى مستوى التفكير والتخطيط للمستقبل الذي لا يزال غائما حتى الآن.
أما التفاؤل، فهو نابع من ثقتي بأن الانكفاء عن تقديم تجربة أخرى ومغايرة وسط ضجيج السياسة المحلية لا يُقدّم حلاّ واقعيا، وأن خوض معركة الإصلاح، بغض النظر عن نتائجها، أولى من التفرج على السائد بهدوء وسكينة، فهي، من جهة أولى، تُعطي أملا بقدرة الفكر على مزاحمة جمود الأضرحة السياسية التي تقدم نفسها كخيار نهائي للجمهور، وتفتح الفرصة أمام التيارات والتوجهات السياسية لطرح تعددي حقيقي إثرائي وليس شكليا.
وهي، من جهة ثانية، تسهم في تشجيع طابور من الإصلاحيين على خوض غمار المنافسة السياسية من جديد، بعدما اعتزل الكثير منهم، أو ابتعد عن الإسهام في الحراك السياسي بسبب اليأس من التغيير، أو إيثارا للسلامة، وهؤلاء لم يفقدوا المواقع السياسية والإدارية، بل إن المواقع السياسية هي التي فقدت عطاءهم الوطني، وقدرتهم على التميز، والمواطن هو المتضرر الأول من غياب تلك الكفاءات أو عزلتها.
وهي من جهة ثالثة تدفع نحو توسعة صفوف الإصلاحيين ممن يعتنون بالفكر كمدخل للإصلاح السياسي، وينطلقون من رؤية نقدية للواقع، لا بهدف تحقيق المزيد من المكاسب والمنافع الشخصية، وإنما بغرض تحقيق المزيد من الإنجاز على المستوى الوطني والأهلي، والمطلوب في المرحلة المقبلة تمديد هذا التيار، وتحديد ملامحه بصورة أكثر وضوحا، ليشمل أفرادا وتجمعات وتوجهات سياسية مختلفة يجمعها الفكر المعتدل والرغبة في الإصلاح باستخدام الوسائل السلمية بغض النظر عن الانتماء الديني أو السياسي.
وأخيرا هو مدعاة للتخفيف من حالة الإحباط التي تسود الشارع من البرلمان وأدائه، والتي تضاعفت في السنوات الأخيرة بصورة ملحوظة، فالحديث عن الإصلاح السياسي متزامنا مع الإصلاح الاقتصادي أصبح حديث الشارع المحلي، ولا أعتقد أن ثمة مواطنا لا يتحدث اليوم عن أهمية الإصلاح، وأمله في التخلص من الفساد برجاله ومؤسساته ونفوذه، ومن الأهمية إعادة الاعتبار إلى المؤسسة البرلمانية من جديد بوصفها الملاذ الطبيعي الذي يعوّل عليه المواطن لاستمرار مسيرة الإصلاح الوطني ومقارعة أعدائه.
وعليه فإن المرحلة المقبلة تتطلب السعي الجاد في اتجاه تحويل تلك الآمال الكبيرة من مرحلة التفكير والأمنيات الطيبة إلى مرحلة الحوار الوطني والتجسيد العملي لمجمل مطالب وطموحات كُتل الإصلاح والتغيير في الساحة، وترشح الكفاءات والمتميزين سياسيا، هو إشارة تدعو إلى الأمل على الرغم من إحباط السياسة اليومية.