عندما اصبح هاري ترومان رئيساً للولايات المتحدة الاميركية بعد وفاة الرئيس فرانكلين روزفلت في 12/4/1945، كان ترومان يفتقر الى الخبرة في شؤون العلاقات الدولية، وخاصة مع القوى العظمى مثل بريطانيا وروسيا في ذلك الوقت، ولم يكن قد توفرت له الفرصة للتعرف على قادة كبار مثل تشرتشل وستالين، وعندما كان ترومان نائباً للرئيس روزفلت، لم يرتبط بعلاقة عمل مع وزير خارجية بلاده، ولم يكن قد تعرف على افريل هاريمان السفير الامريكي في موسكو، ومع افتقاره الى الخبرة، لم يكن لترومان اعوان من الخبراء لسد هذا النقص، وكان الفارق هائلاً بين ترومان وروزفلت، الذي لم يشركه في التخطيط وفي اتخاذ القرارات المهمة، وقد اشتكى ترومان لابنته مارجريت من الاسلوب الذي كان يعامله به روزفلت، حيث قال لها: »انه »روزفلت« لم يتحدث معي على انفراد وبشكل ثنائي البتة، لا في شؤون الحرب »العالمية الثانية«، ولا في العلاقات الخارجية، ولم يفض الي بما يجول في رأسه من افكار حول السلام بعد انتهاء الحرب«.
عبر الرئيس هاري ترومان، عام 1947، عدة مرات عن نفوره من خوض معركة الانتخابات الرئاسية التي كانت ستحل في نوفمبر 1948، وكان ترومان يردد دائماً مثله المفضل: »اذا كنت لا تطيق الحرّ فالافضل لك ان تخرج من المطبخ«، وكان يعتقد ان الجنرال آيزنهاور سيكون المرشح المثالي للرئاسة الامريكية عن الحزب الديمقراطي، ولكن الاخير رفض عرض ترومان وقال له بأنه ليست له طموحات سياسية، اما حقيقة الامر فهي ان آيزنهاور كان لا يريد خوض الانتخابات الرئاسية مرشحاً عن الحزب الديمقراطي، ويقول كنيث رويال، احد الوزراء في ادارة الرئيس ترومان، ان ترومان نفسه قد ابدى لآيزنهاور انه على استعداد لخوض الانتخابات كنائب للرئيس اذا قبل آيزنهاور ترشيح نفسه للرئاسة في الانتخابات المنتظرة، وشرح الوزير رويال اسباب موقف ترومان بقوله: »ان ترومان كان واقعياً، وانه كان من وقت لآخر يعبر عن شكه في الفوز في الانتخابات القادمة في العام 1948«.
كان هاري ترومان قد اعلن عن مساندته لليهود، منذ ان كان عضواً في مجلس الشيوخ الامريكي، ففي عام 1943، خطب ترومان في اجتماع جماهيري، وقال في خطابه: »انه يجب عمل كل شيء يمكن فعله لتوفير ملجأ لليهود الناجين من النازية«، وكان السناتور ترومان يؤكد دائماً للقادة الصهاينة بأنه سوف يحارب من اجل انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وقع خبر وفاة الرئيس روزفلت وتولي نائبه ترومان منصب الرئيس كالصاعقة على رؤوس الجميع، الشعب الامريكي والكونغرس والادارة والقوات العسكرية، وبالنسبة للكثيرين، لم تكن الكارثة تتمثل في موت رئيس عظيم، بل في تولي رئيس ضعيف مكانه.
بعد ان تسلم ترومان مهماته كرئيس، كان ضمن العاملين في ادارته اثنان من اشد اليهود حماساً في الدفاع عن المصالح اليهودية، وهما: كلارك كليفورد احد ضباط الاسطول، وديفيد نايلز مساعد ترومان لشؤون الاقليات، وكان نايلز قد عمل مع روزفلت ثم استمر في العمل مع ترومان، ويقول نايلز بأنه لمس في ترومان تعاطفاً مع اليهود لم يلمسه لدى روزفلت، وقال نايلز: »لو بقي روزفلت على قيد الحياة لما سارت الامور »لصالح اليهود« بالشكل الذي سارت عليه«، وكانت المهمة الاساسية لكل من كليفورد ونايلز هي الضغط على الرئيس ترومان باستخدام ورقة الانتخابات الرئاسية القادمة لتحقيق مطالب اليهود في فلسطين. اما الجانب الاخر من المهمة فهو اطلاع قادة الحركة الصهيونية على مجريات الامور في البيت الابيض، وخاصة ما يتعلق منها بموقف الادارة الامريكية وتطوراته من القضية الفلسطينية.
كان حوالي المليونين ونصف المليون يهودي يقيمون في ولايات بنسلفانيا والينوي ونيويورك في امريكا. وكان الحزب الديمقراطي، ليس في حاجة فقط لاصواتهم الانتخابية، بل في حاجة اشد الى مساهمة اليهود المالية في حملته الانتخابية، لذلك كان دعم مطالب اليهود في فلسطين يشكل صفقة سياسية تعود بالفائدة على هاري ترومان شخصياً على حساب المصالح القومية للولايات المتحدة الامريكية.
ادرك جيمس فورستال، وزير الدفاع الامريكي في ذلك الحين، ان قيام دولة يهودية في فلسطين سوف يكون له نتائج مدمرة على العلاقات العربية-الامريكية، في الوقت الذي كان يدرك فيه الغرب حاجة اوروبا الغربية الماسة لنفط العرب، ولقد لفت فورستال نظر ترومان الى ان الغرب لن يستطيع ان يخوض حرباً ناجحة في اوروبا »ضد الاتحاد السوفيتي« الا بالاعتماد على نفط العرب، كما ابدى رؤساء اركان حرب القوات الامريكية مخاوفهم من حرب في اوروبا لا تتأمن لها امدادات النفط العربي، الا ان ترومان لم يكن يهمه سوى انتزاع فلسطين من اصحابها العرب، ليدفع بها لليهود ثمن انتخابه رئيساً للولايات المتحدة.
كان وزير الخارجية الامريكي جورج مارشال ضد اقامة دولة يهودية في فلسطين. وكان الصراع قائماً على اشده بين مسؤولي وزارة الخارجية وكل من كلارك كليفورد وديفيد نايلز العضوين اليهوديين في مكتب ترومان في البيت الابيض، فقد كان كليفورد ونايلز يتهمان مسؤولي وزارة الخارجية بالعداء للسامية. اما رجال الخارجية فقد كانوا مقتنعين بأن هذين الموظفين اليهوديين يدفعان لاقامة اسرائيل على حساب المصالح القومية الامريكية. وادرك جيمس فورستال وزير الدفاع الامريكي في النهاية، ان لا فائدة ترجى من رئيس يتطلع الى الحصول على مكاسب سياسية بأسلوب دنيء.
عندما طالب الرئيس الامريكي هاري ترومان بترحيل مائة الف يهودي الى فلسطين، رأى البريطانيون في ترومان بدعمه للحركة الصهيونية على ذلك المستوى، بأنه رئيس امريكي مستهتر، وعلق ارنست بيفن وزير الخارجية البريطانية على طلب ترومان بان لدى الرئيس الامريكي رغبة جامحة في كسب اصوات اليهود في الانتخابات الرئاسية، او انه لا يرغب في مجيء مزيد من اليهود الى الولايات المتحدة الامريكية.
في يوم السبت 29 تشرين الثاني/ 1947، وافقت الجمعية العامة للامم المتحدة على مشروع تقسيم فلسطين، وكان الرئيس ترومان قد قام بدور حاسم لتمرير هذا القرار، وقد اسر ترومان الى صديقه القديم ايدي جاكوبسون، احد كبار الناشطين اليهود الصهيونيين في امريكا، بأنه »اي ترومان« وحده المسؤول عن حشد الاصوات في الجمعية العامة للامم المتحدة لتمرير قرار تقسيم فلسطين.