يوم النكبة.. الشعب الذي فقد أرضه ووطنه
[ 17/05/2007 - 08:02 م ]
فيصل أبو خضرا / صحيفة القدس
بين عام 1917 الذي قررت فيه بريطانيا انشاء »وطن قومي« لليهود في أرض فلسطين، وعام 1947 الذي اقرت فيه (منظمة الامم المتحدة) تقسيم فلسطين الى دولتين: عربية، ويهودية، مر اكثر عن نصف قرن شهدت فيه فلسطين الرازحة تحت نير الاستعمار البريطاني تحولات بشرية خطيرة، ادت الى قيام المجتمع اليهودي فيها.
ولا بد من ابراز بعض الارقام لادراك هذا التحول الكبير في عام 1918 الذي كان فيه عدد سكان فلسطين 700 الف نسمة، بينهم 56 الف يهودي فقط معظمهم في اي حال من العرب، اي ما نسبته 8 في المئة من السكان.
وفي عام 1947 اصبح عدد سكان فلسطين مليون و925 الف نسمة، بينهم 625 الف يهودي، اي حوالي ثلث سكان البلاد، وغالبيتهم العظمى من اليهود القادمين من القارة الاوروبية.
لقد استطاع الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية بقوة القمع والارهاب والتآمر خلال ثلاثين عاما، خلق مجتمع يهودي اوروبي في فلسطين، تتوافر لديه القوة التنظيمية، والاقتصادية، والعسكرية التي تجعل منه عمليا »دولة ضمن دولة«.
لكن بالرغم من كل شيء كان اليهود في عام 1947 لا يزالون هم الاقلية: اقلية الثلث ضد الثلثين. والاهم من ذلك، وبالرغم من الضغوط، والحيل خلال ثلاثين عاما، لم يكن يملك اليهود عام 1947 الا 5،6 في المئة فقط من ارض فلسطين.
توضح هذه المعطيات خطورة ما حدث في مرحلة 1947-1948 : فبين خريف 1947، وخريف 1948، مر اقل من عام، بلا شك اخطر عام في فلسطين. فمن قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة والذي لم ينفذ، الى حملة الارهاب اليهودية الواسعة ضد العرب- الى انسحاب بريطانيا النهائي من ارض فلسطين، الى اعلان دولة اسرائيل رسميا، الى الحرب العربية - الاسرائيلية الاولى، استطاع اليهود خلال بضعة اشهر تنفيذ ضربتهم التاريخية الكبرى بقوة السلاح: طرد نصف سكان فلسطين العرب من اراضيهم اي ما مجموعه 726 الف نسمة، والسيطرة على 80 في المئة من ارض فلسطين.
وفي مطلع عام 1950 اصبح عدد اللاجئين الفلسطينيين يقارب المليون نسمة.
وهكذا ضاعت فلسطين وهذه هي مأساة ضياعها التي يصعب علينا تخيلها قدر ما هي مصطنعة وغريبة.
واذا كانت فترة 1917-1922 هي »المرحلة التي رسم فيها كل شيء لفلسطين وللمنطقة العربية.
وبطبيعة الحال فان المرحلة التي نفذ فيها كل شيء هي مرحلة الاستعمار البريطاني لفلسطين، الذي بدأ رسميا : عام 1933 وانتهى عام 1947، مع ان مسؤولية الولايات المتحدة الاميركية في رعاية الصهيونية ودعمها بكل ما لديها من وسائل قد اخذت تغطي على المسؤولية البريطانية ابتداء من عام 1939 وبدء الحرب العالمية الثانية كما سنرى. وهذه المسؤولية الاميركية مستمرة بلا هوادة من عام 1939 الى يومنا هذا اي على امتداد اكثر من نصف قرن.
على مستوى آخر، شهدت مرحلة 1923-1948 احداثا وتطورات كبرى في الوضع الدولي كانت لها انعكاساتها المباشرة على المسألة الفلسطينية، ففي عام 1923 وصل ادولف هتلر الى الحكم وسيطرت النازية على المانيا، وبدأت موجة اضطهاد اليهود في اوروبا.
وفي عام 1939 اشعلت النازية الحرب العالمية الثانية، افظع حرب عرفها التاريخ البشري، التي انتهت بهزيمة الالمان عام 1945، وهذا العام نفسه الذي شهد ولادة »منظمة الامم المتحدة« التي حلت محل »عصبة الامم« قد شهد ما هو اخطر من ذلك بكثير. لقد بدأ العصر النووي مع القنبلتين اللتين القتهما الولايات المتحدة على مدينتي هيروشيما وناغازاكي. وكان من نتائج الحرب العالمية الثانية التي اضعفت الدول الاوروبية الكبرى، المنهزمة منها طبعا - المانيا، وايطاليا - المنتصرة ايضا - بريطانيا، وفرنسا- وبرزت الولايات المتحدة الاميركية اقوى دولة غربية في العالم واخذت تسعى لمد نفوذها الى كل مكان.
في هذه الاثناء كانت الدول العربية المحيطة بفلسطين قد استقلت تباعا، وانتمت الى منظمة الامم المتحدة. كما تألفت »جامعة الدول العربية« في اذار 1945، التي وقع على ميثاقها كل من المملكة العربية السعودية ومصر والعراق وسوريا ولبنان والاردن واليمن.
وكان لا بد ان ينعكس كل ذلك بصورة او بأخرى على المسألة الفلسطينية. وثلث القرن هذا الذي بدأ بالانتداب البريطاني على فلسطين وانتهى بقيام دولة اسرائيل، تختلف حقباته الثلاث، باختلاف معطياتها الداخلية والخارجية.
ففي الحقبة الاولى: من بداية العشرينات الى بداية الثلاثينات، وبالرغم من كل جهود الحركة الصهيونية، وجود الاستعمار البريطاني لتطبيق »وعد بلفور« بقوة القمع والاحتيال، والهجرة، والتملك، والاستيطان، لم ينتقل الى فلسطين (بين 1920 - 1930) أكثر من مائة ألف يهودي اوروبي، وهي بلا شك هجرة مهمة رفعت نسبة اليهود في فلسطين من أقل من 10 في المئة الى 17 في المئة، لكنها بقيت دون ما كانت تتوخاه المؤامرة البريطانية - الصهيونية.
وقد شهدت فترة 1927 - 1931 انخفاضا كبيرا في الهجرة اليهودية الى فلسطين، أوصل قادة الحركة الصيهونية، بما فيهم حاييم وايزمن، الى حافة اليأس. وعلى امتداد هذه الحقبة كلها، توالت الانتفاضات والاضطرابات العربية في فلسطين ضد المشروع الصهيوني - البريطاني من حوادث 1921 الى اضطرابات 1929، والتي كانت تواجه في كل مرة بأشد القمع العسكري البريطاني.
أما ما يميز الحقبة الثانية: من بداية الثلاثينات الى أواخرها، فهو قبل كل شيء صعود النازية الالمانية التي كان يلتقي مشروعها مع المشروع الصهيوني: اخراج اليهود من اوروبا، لقد انقذت النازية الالمانية الفكرة الصهيونية من خطر التلاشي الذي كان يهددها في آخر العشرينات، ولولا الحركة النازية لما كان للمشروع الصهيوني ان يرى النور بعد ذلك.فعلى الصعيد العددي، تضاعف عدد المهاجرين اليهود الى فلسطين في هذه الحقبة عما كان عليه في الحقبة السابقة، اذا بلغ بين 1930 1939 ما مجموعه 232 الف مهاجر.
وهكذا أصبح عدد اليهود في فلسطين عام 1939 نحو 450 الف نسمة، يشكلون 30 في المئة من سكانها، لكن الاهم من هذا هو الالتفاف الذي خلقته النازية حول الحركة الصهيونية لدى يهود العالم والذي أخرجها نهائيا من عزلتها بين يهود اوروبا الغربية، واميركا، وجعلها تمد نفوذها عميقا في الولايات المتحدة.
وفي موازاة تصاعد الهجرة اليهودية الى فلسطين، تفاقمت النقمة العربية، ووصلت ذروتها مما ادى الى انفجار ثورة 1936 - 1939 الفلسطينية الكبرى التي واجهها القمع البريطاني بكل ما لديه من وسائل، غير ان الانفجار الفلسطيني والعوامل الاقليمية، والدولية عشية الحرب العالمية الثانية دفعت البريطانيين الى تعديل سياستهم في فلسطين على نحو أكثر ادراكا للمشاعر العربية، فكان »الكتاب الابيض» البريطاني الصادر عام 1939، الذي بدأ بعده الخلاف بين بريطانيا والحركة الصهيونية، وبدأ الرهان الصهيوني على الورقة الاميركية.
الحقبة الثالثة: الممتدة من مطلع الاربعينات الى أواخرها، تميزت بتطور الهجرة اليهودية »السرية« الى فلسطين خلافا لما أقره »الكتاب الابيض» البريطاني، وقد ارتفع عدد اليهود من 450 الفا عام 1939 الى 625 الفا عام 1947 وقد ابرز الارهاب الصهيوني، وتطور في هذه المرحلة سواء ضد العرب، او البريطانيين، أو ممثلي »الأمم المتحدة ولم يتردد في ضرب اليهود أنفسهم وبصورة جماعية لتحقيق أهدافه.
وظهرت فكرة تقسيم فلسطين وما أثارته من ردود فعل ومخططات ومشاحنات من عام 1937 الى عام 1948 ومع ان الدول العربية اكتسبت من الحضور الاقليمي والدولي ما لم يكن متوافر لها من قبل، وذلك اثر الاستقلال وتزايد اهمية النفط وقيام »الجامعة العربية« والانتماء الى الأمم المتحدة، فان القوة العربية الناشئة لم تدرك تماما القدرة العسكرية التي باتت تتمتع بها الصهيونية في فلسطين، ولا كل النفوذ السياسي الدولي الذي لديها، اضافة الى استمرار الخلافات، والتناقضات العربية، والى التوهم العربي الضمني، بان الغرب لا يمكنه في نهاية المطاف ان يقدم المصلحة الصهيونية على المصالح العربية، في هذه الاثناء كان المجتمع اليهودي في فلسطين يطور قوته العسكرية، ويعبىء كل امكاناته في الداخل والخارج، ويضع مخططاته السرية الجاهزة للتنفيذ حين تدق الساعة لطرد الفلسطينيين من ارضهم، وقد وجدت الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة نصيرا دوليا كبيرا، وضع كل امكاناته تحت تصرفها، فكان ما كان من حسم عسكري صهيوني فقلب كل شيء رأسا على عقب عام 1948، قبل الانسحاب البريطاني وبعده، لم ينفع معه تدخل القوات العربية، الذي جاء متأخرا كثيرا في توقيته الزمني، ولم يكن في حجم القوة الحربية الصهيونية، لا عددا ولا عدة، ولا وحدة ولا تنظيما.
هذه هي اذن اطراف المسألة الفلسطينية الخمسة: الحركة الصهيونية، وبريطانيا، والولايات المتحدة، والشعب الفلسطيني، والدول العربية، في هذه المرحلة التحولية الكبرى بين 1922 و 1948.
واذا نظرنا الى بنية الصراع وتطوره على امتداد كل هذه المرحلة، تطالعنا حركة واحدة تكرر نفسها وهي ذاهبة صعودا: المنظمة الصهيونية تركز على المزيد من الهجرة والاستيطان، فيواجهها الرفض الفلسطيني، فيواجهه القمع البريطاني من جهة، »لجان التحقيق« البريطانية من جهة أخرى، فتضطر بريطانيا الى تراجعها قليلا امام الضغط العربي، فيواجهها بدوره الضغط السياسي الصهيوني، فتعود عن تراجعها الى نقطة البداية .... هذا ما تكرر حدوثه تقريبا عام1920 ثم عام 1921 ، ثم عام 1929، ثم عام 1933 ثم عام 1936.
وعندما لاقت الحركة الصهيونية صعوبة في ثني بريطانيا عما قرره »الكتاب الابيض» عام 1939، بدأ الحلف الصهيوني الاميركي - يتخطى الحلف الصهيوني البريطاني، وبدأت الحركة الصهيونية تفرض أمرها مباشرة او مداورة على بريطانيا عبر الادارة الاميركية.
ولغاية الآن، نجد ان الادارة الاميركية ماسكة بزمام الامور وبيدها فقط الحل والربط، فاذا ارادت الادارة الاميركية رفع الظلم عن الشعب الفلسطيني فهي قادرة، وما عدا ذلك سوف يبقى الفلسطينيون يعانون من نكبة سنة 1948.