الرسوم الكاريكاتورية: حرية تعبير، سوء فهم، أم تكريس لواقع حقيقي؟
الرسوم الكاريكاتورية: حرية تعبير، سوء فهم، أم تكريس لواقع حقيقي؟
بقلم: حسن سلمان
قضية الرسوم فتحت الباب امام دعوات ذاتية لرفع مستوى القيمة المعرفية للدين الإسلامي وإعادة النظر في المؤسسات الدينية التقليدية التي تعاني انحدارا كبيرا.
ميدل ايست اونلاين
يمكن للمتابع لتداعيات قضية الرسوم المسيئة للنبي محمد أن يكتشف مدى هشاشة "العقل" العربي والإسلامي الذي أُعيدت أدلجته ليتوافق مع "الفكر" الأصولي- إن صح التعبير- المتواطئ مع الأنظمة السلطوية الحاكمة، ليكون جاهزا للاستثارة بحيث يتم زجّه في مظاهرات احتجاجية تؤكد –قبل كل شيء- لتلك الأنظمة مدى تحكُّمها بردود أفعال شعوبها، وتشير تاليا إلى مدى عمق الهوة بين الشرق والغرب وخاصة في مسألة فهم حرية التعبير عن الرأي التي نفتقدها في عالمنا العربي والإسلامي.
ثمة آراء كثيرة تناولت أسباب نشر الرسوم يأتي في مقدمتها حرية التعبير وزاوية النظر إلى المُقَدّس، حيث أن مصطلحات مثل "الله، الرسول، الكتاب المقدس" لا تحظى في الغرب بذات الأهمية التي نجدها في العالم العربي والإسلامي.
فالغرب عبث بمقدّساته وراجعها، وظهرت دعوات للإصلاح الديني منذ القرن السادس عشر تضمنت الاعتراض على سلطة البابا ونقد للكنيسة، ومن ثم طوّر العقل الغربي مناهج عقلانية لنقد الكتب المقدسة، ثم ظهر عصر التنوير الذي أطاح بكل المقدّسات، وشهدنا رسوما كاريكاتورية تسخر من المسيح ومريم العذراء وكتبا تشكك بنبوة الأول وعذرية الثانية، واقتصر الرد على هذه الرسوم وتلك الكتابات ببيان صدر عن الكنيسة، دون أن تقوم مظاهرات أو أعمال عنف كتلك التي حدثت في العالم العربي والإسلامي.
أما فيما يتعلق بحرية التعبير وحرية الإعلام التي يكفلها الدستور والقوانين الغربية، فهي -دون شك- تبيح للرسام الدنماركي التعبير عن رأيه في انتقاد أي شخصية بغض النظر عن قيمتها الفكرية أو السياسية أو الدينية، لأن العقل الغربي –كما يرى البعض- عقل حرّ وبالتالي يفعل ما يريد ويرسم ويكتب ما يريد، وهذا غير مألوف في "العقلية" الإسلامية والعربية، حيث دائما هناك قيم ومحرمات وتابو.
وإذا كانت حرية التعبير غائبة في العالم العربي والإسلامي، فهذا لا يشّكل مبررا للمسلمين ليحاكموا شخصا ما أراد التعبير عن رأيه في ظاهرة ما تدعى "الإسلام" يُوصَف معتنقوها عادة بـ "الإرهاب" نتيجة ممارساتهم التي ترتبط –بشكل أو بآخر- بشخصيات من أمثال ابن لادن والظواهري، ويمكن للمرء أن يدرك حجم المأساة والخوف الذي يشكله مجرد ذكر هاتين الشخصيتين أمام المواطن الغربي.
وربما يقودنا ذلك للحديث عن الجالية المسلمة في الغرب والتي تعيش حالة من الضياع بين الحفاظ على تقاليدها الإسلامية الهشّة والاندماج في المجتمع الغربي بتجلياته الحداثوية ومفرزاتها العلمانية، حيث نرى البعض ينزوي ضمن تجمعاته قد تأخذ طابعا دينيا يتجلى ببناء دور العبادة وممارسة الشعائر الدينية، والتعامل مع الآخر ضمن خطاب استبعادي أقلّوي.
هذه الحالة السابقة عزّزت لدى المواطن الغربي الصورة النمطية المسبقة التي كونها عن المسلم "الإرهابي" و"الأصولي" الذي يهدف إلى أسلمة المجتمع الذي يعيش به، هذه الصورة، التي عزّزها أيضا الإعلام الغربي مدفوعا بقناعاته المسبقة عن بعض الحركات "الجهادية/التكفيرية" في مناطق متعددة من العالم، دعت البعض إلى تأسيس منظمات أو هيئات من قبيل "أوقفوا أسلمة الدنمارك" وغيرها للحد من تنامي ظاهرة الإسلام في الغرب.
لكن البعض يرى بالمقابل أن حرية التعبير في العالم الغربي تُخفي في داخلها دعوة مُبطّنة إلى نفي الآخر، وهي بذلك تتشابه مع الخطاب الأصولي في بعض جوانبه، ويبني هؤلاء رأيهم على أساس النظرة السلبية وطابع الكره تجاه المسلم في الغرب.
وهذا دعا عددا من المفكرين في بحث هذه المسألة والإجابة على سؤال "لماذا يكرهوننا؟" الذي يردده بعض العرب والمسلمين في الغرب، وخرج بعضهم بنتائج تتعلق بالصورة النمطية عن العرب والمسلمين - التي ذكرناها آنفا - والتي نقلها المستشرقون وتتلخص بعصر الحريم وضرب المرأة والتعصب، وهي بمعظمها صحيحة، ويضاف إليها تقصير المسلمين بتقديم صورة مغايرة وتمسّكهم بالمقابل برواسب قروسطية.
لا يمكن قياس ردود الأفعال العنيفة و"الهمجية" في مختلف جوانبها "مظاهرات احتجاجية، أعمال عنف، تخريب وإحراق سفارات" التي قام بها العرب والمسلمون بالرد المتأني الذي قامت به الحكومة الدنماركية "توزيع مصاحف، تدريس القرآن في الجامعات، عقد مؤتمرات حول العلمانية وحوار الحضارات في عدد من الدول العربية."
لأن الأولى تتسم بطابع عاطفي لا عقلاني وغريزي في مختلف جوانبه، وهي –حسب البعض- موجهة من قبل الأنظمة السياسية ورجال الدين، لاسيما أن أغلبها اتخذت شكل مظاهرات خرجت من الجوامع، فيما جاءت الثانية بعد دراسة متأنية للمشكلة والبحث عن طرق لحلها عبر وسائل عقلانية متزنة تخلو من أي مظهر انفعالي أو عُنفي.
ويبرر البعض السُلوك الأول بأنه مبرمج، بمعنى أن "العقل" العربي والإسلامي هو "عقل انفعالي" تم تكوينه على أن يثور ويغضب وينفعل لأي سبب بغض النظر عن طبيعته، مؤكدين أيضا أن سلوك المقاطعة الذي اتخذته أغلب الدول الإسلامية لن يحل المشكلة، بدليل إعادة نشر الرسوم من قبل عدد من الصحف الأوروبية، ودعوة وزير الداخلية الألماني مؤخرا جميع الصحف الأوروبية إلى نشر الرسوم تضامنا مع الدنمارك، وهي خطوة تضع المسلمين أمام الأمر الواقع، فإذا أرادوا المقاطعة فعليهم مقاطعة أوروبا بالكامل، وهذا أمر غير ممكن.
إذا ما الحل؟
ثمة حلول عدة يطرحها الباحثون، حيث يرى البعض ضرورة تجاوز ثقافة الرفض والإقصاء لدى عدد كبير من المسلمين وضرورة التواصل والحوار مع الآخر، فضلا عن إعادة نقد الذات من خلال عقد لقاء بين مسلمين من كافة الأطياف المذهبية, لمناقشة الإسلام على ضوء المتغيرات الحالية التي يشدها العالم، بعيدا عن الفوضى المذهبية وسوق الفتاوى المجانية التي يطلقها بعض رجال الدين.
فيما يذهب البعض الآخر إلى ضرورة إسقاط الطابع الأسطوري* عن كل الرموز التي* اكتسبت طابع التقديس بفعل المسافة الزمنية التي* تفصل الحاضر عنها،* وتمييز الأحداث التاريخية عن الدينية،* ومن ثَمّ رفع مستوى القيمة المعرفية للدين الإسلامي وإعادة النظر في المؤسسات الدينية التقليدية التي تعاني انحدارا كبيرا، فضلا عن عقد العديد من الندوات والمؤتمرات الفكرية بهدف التعريف بالدين الإسلامي، وإفساح المجال أمام الفكر الإصلاحي الديني.