الخطر الديمغرافي..الكابوس الذي لا يفارق (إسرائيل)
خالد وليد محمود
منذ إنشاء دولة (إسرائيل)، كان هناك توجس من الفارق العددي بين اليهود والعرب. ولكن منذ أن احتلت (إسرائيل) أراضى عربية مكتظة بالسكان في عام 1967م، فقد أصبح الهاجس هو التوازن العددى داخل الدولة الإسرائيلية .
ومن المتوقع أن يصبح الفلسطينيون – في المنطقة الممتدة من البحر المتوسط حتى نهر الأردن – أغلبية فى السنوات القليلة القادمة، وبالتالي فإن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية سوف يهدد هوية (إسرائيل) كدولة ديمقراطية للشعب اليهودي. ولن تستطيع الدولة الإسرائيلية الحفاظ على هذه الهوية في ظل الأقلية العددية لليهود، إلا إذا أصبحت دولة فصل عنصري، وهذا الخيار مرفوض أخلاقيا من الشعب الإسرائيلي، كما أنه مرفوض لأسباب عملية أيضاً. فالمجتمع الدولي لن يتقبل قيام مثل هذا النظام العنصري، وسوف يوالى الضغط على (إسرائيل) بشكل يهدد أمنها. إذن، يجب على (إسرائيل) أن تنسحب من المناطق الفلسطينية كي تبقى يهودية وديمقراطية في آن واحد. ويعتبر هذا التحول من التمسك بأهمية الأرض إلى إبراز أهمية الهوية اليهودية للدولة بمثابة تبني مفهوم أوسع للأمن القومي الإسرائيلي.
من هنا، فإن تشديد دوائر البحث الإسرائيلية المهمة على متابعة الواقع الديمغرافي في (إسرائيل) والأراضي الفلسطينية، أي تلك التي يطلق عليها أراضي 48 والضفة الغربية المحتلة منذ العام 1967؛ يعتبر بمثابة مؤشر على منعة الدولة الإسرائلية وممانعة مجتمعها في مواجهة الأخطار والمشروعات التي تحيق بمشروعها ومشروعيتها.وقد بات السؤال الذي يشغل أذهان ساسة (إسرائيل) وقادتها يتمحور حول التهديدات الداخلية لـ(إسرائيل)، وعلى رأسها التهديد الديمغرافي كمشكلة حقيقية تقض مضاجعها يوماً بعد يوم؟
لا بد من التذكير هنا، بأن الحركات الصهيونية بذلت قصارى جهدها منذ قيام (إسرائيل) عام 1948م -وما قبل ذلك- لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وديارهم،وارتكبت في سبيل ذلك المجازر والمذابح، وعملت على طرد أكثر من ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من أراضيهم،بالتالي؛ فإن سياسة "الترانسفير" أو "التهجير" ؛ تشكل عموداً رئيسياً من أعمدة الفكر الصهيوني، فدعاة الترانسفير بكافة أشكاله، السكان بلا الأرض، أو السكان والأرض أو الترحيل الطوعي أو القسري، يجتهدون في وضع الحلول "العملية والتفصيلية"، لكل المنظرين وصناع القرار الإسرائيلي الذين يحلمون بدولة يهودية نظيفة من العرب، وكل من يتحدث عن دولة يهودية يحلم بالخلاص من المليون عربي الذين بقوا في وطنهم، ولذلك فإن "سوفير" ومثله "رحبعام زئيفي"، وقبلهما "بن غوريون" وجنرالاته "يسرائيل غليلي" ،"يغال ألون" ،"اسحق رابين" ، "موشي ديان" ،"يوسف عوفاديا"، الذين نفذوا الترانسفير وخططوا له، هؤلاء يقفون في صلب الإجماع الصهيوني حتى الآن، ويحققون حلم الصهيونية الأول بشأن إقامة الدولة اليهودية الخالصة.
إذن، المشكلة الديمغرافية، هي الأزمة الداخلية الأكبر التي تواجه (إسرائيل)، حيث التكاثر عند الفلسطينيين يفوق كثيراً التكاثر الطبيعي لدى اليهود، هذا يعني أن المستقبل يزيد من تفاقمها ، وقد يكون هذا ما دفع الصحافي الإسرائيلي (أمفون دنكنر) لأن يكتب علناً "صحيح لدينا مشاكل عاجلة جسيمة، صحيح أننا نواجه تهديدات تكتيكية إستراتيجية يومياً، صحيح أن العبوات الناسفة تنفجر في مدننا والصواريخ موجهة إلينا، لكن القنبلة الموقوتة الديموغرافية هي التهديد الاستراتيجي العظيم والحقيقي على الحلم الصهيوني".
لقد قامت (إسرائيل) بإتباع عدة خطط لتقليص عدد الفلسطينيين، كان آخرها ما شرع به زعيم حزب الليكود المعارض "بنيامين نيتنياهو" من خلال حملة إعلامية لإقناع الجمهور الإسرائيلي بدوره الرئيس في خفض نسبة الولادات في أوساط (فلسطينيي 48) ؛ على اعتبار أن ذلك خطوة يتطلبها "النضال من أجل الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة".وفي المقابلات التي منحها لقنوات التلفزة الإسرائيلية في نهاية أيلول 2006 ،قال "نيتنياهو": إنه عندما تبوأ وزير المالية في حكومة أرئيل شارون، في الفترة الممتدة 2003-2005، تعمد تقليص مخصصات الضمان الاجتماعي التي تمنحها الدولة للأطفال والعائلات كثيرة الأولاد، من أجل إقناع العائلات في أوساط فلسطينيي 48 بتقليص الإنجاب".
الخطر القادم على (إسرائيل) ينبع من الخلل في التوازن الديمغرافي، الذي سيؤدي في المستقبل إلى غالبية عربية سواء كان ذلك على مستوى دولة (إسرائيل)، الذين سيطالبون بدولة كل مواطنيها، أو على مستوى الأراضي المحتلة. ولذلك يتوجب إعادة تعريف المصالح الإسرائيلية ببناء الدولة اليهودية والديمقراطية، وما يتم على أرض الواقع من استمرار احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة لن يؤدي إلى تحقيق هذا الهدف. ولذلك يجب تقسيم الأرض ليس مقابل السلام المنشود مع العرب، وإنما بسبب أن (إسرائيل) في حال عدم قيامها بذلك لن تكون هناك دولة يهودية وستكون حكومة الدولة الإسرائيلية في المستقبل حكومة الأقلية اليهودية التي تحكم الأغلبية العربية، وذلك ما اثبت التاريخ عدم واقعيته. لذلك لا مفر من تقسيم الأرض بين الشعبين، حتى لو كان ذلك من جانب واحد.
أمام هذا الوضع، تبدو (إسرائيل) أمام مأزق جدي ومهدد حقيقي، خصوصاً أن الأمر يسير بشكل طبيعي، من الصعب أن ينجح التدخل لمحاولة تغييره أو تقليل أخطاره، هذا ما جعل الحديث يأخذ طابعاً (هستيرياً) عن الأزمة الديموغرافية القادمة. فـ(إسرائيل) تدرك تماماً ألا حل لها، للحفاظ على أكثريتها اليهودية، وعلى طابعها اليهودي، إلا الانفصال عن الفلسطينيين. والمفارقة، أن الانفصال يعني اعترافا بحقوقهم، كما يعني ترسيماً لحدودها، الجغرافية والسياسية، وهنا مكمن إشكالية (إسرائيل) في عملية التسوية.