تناقص أطراف الأرض

الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة



يقول الله تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد:41]،
ويتكرر معني هذه الآية الكريمة مرة أخري في سورة الأنبياء والتي يقول فيها ربنا تبارك وتعالى:
﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الأنبياء: 44].

الشروح المفسرة لمعني إنقاص الأرض من أطرافها:
إن الجهد الهائل الذي بذله المفسرون (رحمهم الله تعالى جميعا) في إنزال الدلالة على الواقع لهو مأثرة تكتب في موازين حسناتهم ودليل صارخ على سمو القرآن الكريم على المعارف البشرية زمن التنزيل وبعده بقرون متطاولة؛ حيث لم يملكوا قبل عصـر العلم سوى معاني الألفاظ في قضايا تتعلق بالأسرار الكونية، في تفسير قول الحق (تبارك وتعالى): { أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا }
ذكر ابن كثير قول ابن عباس رضى الله عنه: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض، وقوله في مقام آخر: إنقاصها من أطرافها هو خرابها بموت علمائها، وفقهائها، وأهل الخير منها وقال ابن كثير: والقول الأول أولي، وهو ظهور الإسلام علي الشرك قرية بعد قرية، كقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى ﴾ [الأحقاف: 27]، وأشار إلى أن هذا هو اختيار ابن جرير.
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم في الهامش ما يلي:
(تتضمن هذه الآية حقائق وصلت إليها البحوث العلمية الأخيرة إذ ثبت أن سرعة دوران الأرض حول محورها، وقوة طردها المركزي يؤديان إلى تفلطح في القطبين وهو نقص في طرفي الأرض، وكذلك عرف أن سرعة انطلاق جزيئات الغازات المغلفة للكرة الأرضية، إذا ما جاوزت قوة جاذبية الأرض لها فإنها تنطلق إلى خارج الكرة الأرضية، وهذا يحدث بصفة مستمرة فتكون الأرض في نقص مستمر لأطرافها، لا أرض أعداء المؤمنين، وهذا احتمال في التفسير تقبله الآية الكريمة).

من الدلالات العلمية لإنقاص الأرض من أطرافها:
ترد لفظة الأرض في القرآن الكريم بمعاني عديدة تتحدد إحداها وفق قرائن السياق؛ مثل التربة والقطر أو البلد والكوكب، كما ترد بمعنى اليابسة التي نحيا عليها من كتل القارات التي تحمينا من التيارات الباطنية الملتهبة إلى حد إذابة الصخور، وفي الآيتين الكريمتين:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 41]،
﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الأنبياء: 44]؛
السياق يتعلق بالتهديد والتوعد بخطر أكيد يتعلق بنقصان الأرض من ناحية أطرافها، وفي اللغة طرف الشيء نهايته وحده، والجسم الكروي لا حد له؛ ولذا لا يستقيم حمل لفظ الأرض على معنى الكوكب؛ ويستبعد حمل التهديد على انكماشها علي ذاتها أو تفلطحها قليلاً عند القطبين أو أخذ عوامل التعرية المختلفة من المرتفعات، والتهديد بخطر يمكن أن يداهم البشر يجعل دلالة لفظ الأرض لصيقة بهم، وهي الغلاف الصخري أو السطح الذي يعيشون عليه ويحميهم من لهيب الباطن؛ أي الألواح القارية في مصطلح علم الجيولوجيا، وثبت بالفعل أنها تتباعد في منتصف المحيطات؛ نتيجة ما يطرحه الباطن من مواد ملتهبة فتتسع المحيطات، وبالتالي ينزوي كل لوح محيطي تحت اللوح القاري المقابل فتنقص كل الألواح المحيطية من أطرافها، ولذا يُحتمل خطر الخسف والزلازل والبراكين جانب البر؛ مصداقا لقوله تعالى:
﴿ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ ﴾ [الإسراء: 68].
والغلاف الصخري أو السطح الذي يعيش عليه الناس ويحميهم من أخطار دونهم أشبه ما يكون بمهد الصبي أو فراش منبسط أو بساط مفترش يحمي من الأخطار دونه؛ وهي نفس التشبيهات والأوصاف التمثيلية في القرآن الكريم:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ﴾ [البقرة: 22]،
﴿ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ﴾ [الذاريات: 48]،
﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴾ [نوح: 19]،
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا ﴾ [طه: 53].

وأما تشبيه السطح الصخري بمهد الصبي بالجمع: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴾ [النبأ: 6]؛
فيستقيم أن تقوم الجبال الممتدة عميقا بتثبيت الألواح القارية الطافية فوق دوامات الباطن حتى لا تميد وتضطرب كما تفعل أوتاد الخيمة: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)﴾ (النبأ)
وهذا التوصيف الشمولي للسطح الصخري للكوكب بنظرة تتجاوز أفق المعرفة في بيئة التنزيل يتفق مع الدعوة إلى النظر الشمولي للكون: ﴿ وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ [الغاشية:20]؛
لبيان ضرورة نشأة السطح الصخري لحماية القاطنين من بعد، وجذور جبال كتل الألواح القارية ذات الامتدادات العميقة تجعلها تطفو فوق تيارات الباطن كالسفن الرواسي ذات الامتدادات العميقة التي تحفظها مستقرة ثابتة لا تميد فوق تيارات مياه المحيط:
﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا ﴾ [فصلت: 10]،
فالجبال إذن ثبتت ألواح السطح الصخري لا الكوكب فاستقرت ولم تمد:
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾ [النمل: 61]،
﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا ﴾ [غافر: 64]،
والخلاصة أن لفظ الأرض في الآيتين الكريمتين يستقيم حمله على اليابسة التي نحيا عليها من كتل القارات؛ أي الألواح القارية.

وجه الإعجاز العلمي:
أتت الآيتان الكريمتان ناطقتين بحقيقة كونية مبهرة، وهي أن اليابسة التي نحن عليها من كتل القارات والتي يصطلح عليها في علم الجيولوجيا بالألواح القارية Tectonic Plates تنضوي وتنقص من أطرافها على الدوام؛ أي في مقابل زيادتها منتصف المحيطات، وهي حقيقة لم يكن لأحد العلم بها زمن نزول القرآن الكريم.

لقد أوضحت الدراسات الحديثة نقصان الأرض من أطرافها على مستوى السطح الصخري للأرض، حسب معنى لفظ الأرض وفق قرائن السياق؛ أي المعنى اللائق بالمقام رغم تعدد معانيها المعجمية في كل سياق، وتلك حقيقة جيولوجية لم تعرف سوى حديثا قد جاءت لتنطق بأن القرآن الكريم حق من عند رب العالمين، فسبحان الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة هذه الإشارة العلمية الدقيقة إلى حقيقة إنقاص الأرض من أطرافها، وهي حقيقة لم يدرك الإنسان شيئا من دلالاتها العلمية إلا منذ عقود قليلة.