أهل السنة ... نبض الماضي وجمود الحاضر

الدكتور ربيع الحافظ


على إثر الأزمة السياسية المبكرة(*)التي واجهتها دولة الحضارة العربية الإسلامية والتي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن ملامحها وهي امتزاج الصدق بالشطط الفكري، برز مسمى أهل السنة والجماعة كعنوان لمفاهيم عقدية ورؤى سياسية شخصت الأزمة وانطبقت على ملامحها.

العنوان الذي أطلقه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس (رض) من وسط ميدان الأزمة لحل أزمة سياسية جاءت ولادته سياسية من اللحظة الأولى ليتنامى بشكل متسارع من لافتة ميدانية إلى اسم لمدرسة واضحة المعالم ثم إلى تعريف للطيف السياسي الأوسط والأكبر في الأمة الذي أنقذ الدولة من أزمة سياسية حادة وأقال عثرة كبرى عن طريق انطلاقتها.

رفعت الدولة الخارجة من الأزمة راية الطيف فوق مؤسساتها لتصبح الراية شعاراً للوسطية السياسية والفقهية والعقدية التي اختطتها الدولة لنفسها ومكنتها من لعب دور "الكبير" الذي يتسع ويجتمع عليه الجميع. وسطية الدولة امتدت إلى علاقاتها الأممية، وكان أمراً طبيعياً أن تتحول دولة الحضارة العربية الإسلامية إلى ملاذ للأقليات المضطهدة لدى الأمم الأخرى فكان تجسيداً لحقوق الإنسان قبل أن تولد مفرداتها بقرون.

المدرسة وأصحابها الذين تصدوا للأزمة تحولوا إلى خلية نحل يشيّدون صرح دولتهم يستحدثون الفنون ويقيمون المؤسسات ويقتبسون التجارب ويؤطرون المفاهيم قطعاً للطريق أمام أزمات المستقبل.

كان هناك إبداع وابتكار وتطوير عند كل أزمة جديدة، وكانت حادثة فضح مؤامرة تزوير المصدر الثاني للدستور ممثلة بالحديث الشريف بداية عهد المؤسسات في الدولة، فأعلنت حالة الطوارئ وأقيمت نقاط التفتيش الثقافية ودققت الهويات الشخصية. قال التابعي الجليل ابن سيرين: "ما كنا نسأل عن الإسناد، فلما ظهرت الفتنة قلنا سموا لنا رجالكم"، وجرت عملية مسح المجتمع وشهد العالم ولادة أول قاعدة معلومات للأحوال الشخصية للتحقيق في أمر كل زاعم لنقل الحديث عرفت القاعدة باسم "الجرح والتعديل".

ثم شهد العالم ولادة علم آخر هو "طبقات الرجال" الذي عُدّ من روائع العلوم وهو يدون سير أعلام الرجال من المهد إلى اللحد مروراً بالحالة العلمية والاجتماعية والمعيشية وهو فن انفرد به أهل السنة بين المذاهب وانفردت به حضارتهم بين الحضارات.

بعد أن اتسعت رقعة الدولة وترامت أطرافها وشقت إدارة شؤونها بالطرق التقليدية أقدت الدولة على اقتباس نظام الدواوين من المدنيات المجاورة؛ الروم والفرس، ومع تمدد الفارق الزمني بين الدولة وبين حقبة "عمل أهل المدينة" التي كانت مصدر الفقه الميداني على الشاكلة النبوية أنشئت مؤسسة "أصول الفقه" التي وضعت قواعد الأحكام الفقهية ونقلت الأجواء الفقهية "المدنية" إلى القرون اللاحقة بالصوت والصورة.

استمر الرواد في بناء دولتهم فوُضع علم البلاغة ليصون اللغة العربية التي هي مادة الإسلام وكثرت رحلات طلب العلم والاستكشاف عبر القارات.لعل أدق وصف لتلك الصروح هو أنها المقاطع المتصلة التي تكون منها السياج الأمني الخارجي الواقي لأنظمة الدولة والقشرة الخارجية الصلبة التي تحمي باطن الدولة الرخو.

بعبارة موجزة: مناخ مفعم بالحياة ورؤية ثاقبة.

انطلق ذلك الزخم في الحقبة الراشدة من دولة الحضارة العربية الإسلامية وامتد طوال الحقبة الأموية وحيزاً من الحقبة العباسية ووصل ذروته في أواسط القرن الثالث الهجري.

يمكن القول: شهدت تلك الحقبة تماهي مدرسة أهل السنة مع النظام السياسي للدولة الذي أوجدته هي وأوجدها هو. أجواء التماهي هذه شكلت نقلة نفسية عريضة من بيئة الانطلاق المكية وظروف الأقلية ومشاعر الحرص والحذر والتأهب إلى حقبة التمكن والاستقرار السياسي والاسترخاء التي دانت لهم فيها شعوب الأرض ونطقت بلسانهم وتتلمذت في معاهدهم والتي تشكل مجموعها مقومات شخصية الأغلبية والتمكن التي التصقت بالشخصية السنية وباتت حقيقة تاريخية ثابتة.

مثّل مناخ حقبة التمكن الجو الطبيعي لتآكل مقومات الشخصية المبكرة كما هو في حال المجتمعات، ومع دخول دولة الحضارة العربية الإسلامية قرنها الرابع كان الفتور قد نال من روح التنافس عندها ونال الاسترخاء من التأهب.

لم تعد الأجواء خلية نحل ودخل أهل السنة بشكل فعلي "آيديولوجية التواكل" الفردي والجماعي على الدولة ومؤسساتها وهو طور اجتماعي لا يختلف فيه أهل السنة كأغلبية عن غيرهم من الأغلبيات في أي مجتمع ليصبح التواكل سمة الشخصية السنية التي ظهرت انعكاساتها السلبية على الأداء السياسي سيما بعد أن أبدلت السياسية تركيبتها السياسية في العصور اللاحقة.

السمة الأخرى للشخصية السنية هي القادمة من طبيعة التكوين الفكري للأغلبية، فالمفهوم العام لرسالة الإسلام عند أهل السنة منصب على أصل الرسالة الذي هو العلاقة بين الإنسان وخالقه والتي من أجلها خلق وعلى قوانين الحياة الذي أتت به وكلاهما يقتضيان وجود نظام سياسي يصون منظومة الرسالة ويوسع رقعتها ويذود عنها. أي أن النظام السياسي خادم للمنظومة وأنه وسيلة لا غاية. ما فعله أهل السنة المؤسسين في دولتهم أمام الأزمات الفكرية المبكرة كان ممارسة سياسية لتصويب مسار عقدي وفقهي منحرف والعودة بالمجتمع إلى الطيف الأوسط.

على أساس من هذا حددت هذه المدرسة أولوياتها الاستراتيجية وكان انشغال مؤسستها العلمية هو في أصل الرسالة والتي هي الحالة الطبيعية في زمن استقرار الحضارات الذي تتخطى فيه المؤسسات العلمية ما سواها حجماً وإنفاقاً وتستقطب الطاقات والعقول وتضمر فيه المؤسسات الأمنية. لكن هذه النسب تبقى خاضعة للتغيير أو الانقلاب في أوقات الخطر.

هذا الأساس يأتي مقلوباً عند الأقليات، والفارق بينه وبين الأغلبيات جذري ووقعه كبير على مجريات الأحداث في حقب الضعف السياسي والتراجع العلمي لأهل السنة. فتقويض النظام السياسي للدولة هو الأصل عند الشيعة والمذهب (الشيعي) لافتة سياسية ألحق بها (على عجالة) نظام عقدي وآخر فقهي يسبغان عليه صبغة دينية تنقله إلى الحياة اليومية للإنسان الشيعي البسيط حيث تداخل السياسة بطقوس الاستغاثة التي يمارسها وبقاء جذوة الثأر والاستنفار النفسي متقدة تجاه محيط الأغلبية، أي أن العقيدة والفقه ـ عند الأقلية ـ وسيلتين لغاية ـ وطبيعي أن تتصدر الغاية (الاحتجاج السياسي) الاهتمامات الأخرى في المذهب.

هذا الفارق بين الأغلبية والأقليات في أولويات المؤسسات وفي الاستنفار السياسي كانت قد سدت مسده الدولة المبكرة المتوازنة التكوين لأهل السنة، وبزوالها ارتدت المهام السياسية التي كانت تحملها ـ بتخصصاتها وتعقيداتها ـ دفعة واحدة على المؤسسة الدينية المثقلة أصلاً بالأزمات مسببة اختلالاً في معادلة الحكم في الدولة واختلالاً خطيراً في الأداء السياسي.

التداعيات الكارثية لزوال الدولة ـ التي نشهدها اليوم ـ كانت قد حدّت منها أو أرجأت تداعياتها الحقبة الانتقالية التي مثلتها الدولة المعاصرة إلى لحظة سقوطها ـ كما في العراق ـ ودخول المجتمع حقبة دولة الطوائف. يمكن القول: إن الشخصية السنية والدولة هما مكونان لسبيكة فاعلة ثنائية المعدن انفصامها لا يعني توزع خصائصها بالتساوي على المعدنين وإنما عودتهما عناصر أولية خاملة. هذه الشخصية لا يمكن لها أن تبدع أو تنافس في أجواء الشللية والطائفية والكانتونات أو الفدراليات التي تزدهر فيها الأقليات.

المسار الذي سلكه المؤسسون الأوائل والشخصية الوسطية التي أسبغوها على أنفسهم وعلى نظامهم السياسي كانت أسباب حياة لدولة ثم حضارة ولم يكن مصادفة أن أَخرجت هذه المدرسة ـ رغماً عن نظريات الاجتماع ـ من عقم الفسيفسائيات العرقية حضارة متعددة الأعراق هي على الجملة من أعظم ما قام على وجه الأرض ومن الهشاشة الاجتماعية لمجتمع الأقليات سبيكة متماسكة فاعلة.

الجمع بين التقدم العلمي والتماسك السياسي والحذر الأمني الذي سارت عليه دولة الحضارة العربية الإسلامية هو خلاصة ما توصلت إليه أمم القرن الواحد والعشرين اليوم الذي تنكب عليه بصيغ مختلفة بدءاً برصد الهوية الثقافية والسياسية للفرد بطرق ذكية متجددة وانتهاءً بتتبع هواياته العامة وحفظها بتقنيات رقمية تلاحق صاحبها أينما حل وارتحل.

رغم التبدل العميق الذي أصاب كيان الدولة والتغيير الذي أحدثه خصومها في طرق تعبئتهم الفكرية ومناهضتهم للدولة لا زالت مؤسسات المؤسسين الأوائل تُدرس خارج إطار الأسباب الآيديولوجية التي كانت سبباً في إيجادها وبعيداً عن الأجواء النابضة التي نفذت في أجوائها، ولازالت ـ هذه المؤسسات ـ عند الشاب المسلم المهندس والطبيب والاقتصادي (الذين هم عصب الحياة في المجتمع) وسيلة قربى إلى الله ـ وهي كذلك ـ يغوص في فنونها عوضاً عن أن يتجه هذا الشاب نحو دراسات عليا تضع صروح الدولة التي أسسها الأوائل في قوالب معاصرة تخدم ذات الغايات التي تتكرر اليوم.

أهل السنة اليوم أمام حقبة جديدة:

فلا الدولة التاريخية عادت موجودة بين ظهرانيهم وحامية لهم

ولا الشللية الطائفية آوية لهم، ولا أجواؤها مناخاً لإبداعاتهم،

ولا تراخي الأغلبية الموروثة يخدم واقعهم.

أمام هذه المعطيات يصبح من الوهم الاعتقاد أن بمقدور أهل السنة العيش بأجندات الغير، فهم على خلاف غيرهم أمام مسؤولية مزدوجة خاصة وعامة؛ فهم الوعاء الكبير للفسيفساء العرقية والدينية والمذهبية في المنطقة، في عافيتهم السياسية تكمن عافية الأقليات التي عاشت في كنفهم قروناً طويلة، وفي سقمهم السياسي يكمن التشظي ومشاهد الشللية والطائفية وحماماتها الدموية.

أما على الصعيد العالمي فأهل السنة أمام مسؤولية أممية فهذا العالم لن يرى الاستقرار والفراغ السياسي يضرب سدس سكانه الذين يعيشون على رقعة جغرافية اسمها العالم الإسلامي.

أهل السنة اليوم جسد من دون رأس يتعاملون مع تركتهم الحضارية الضخمة التي دخلوا بها نادي الأمم كأدوات فقهية وأكاديمية خارج إطارها الفكري فضلاً عن أن يزيدوا فيها ويعيدوا عرضها بطرق متجددة، ولا عجب أن لا يستفزهم المناخ السياسي الراهن بكل محفزاته إلى نفرة كنفرتهم المؤسسين الأوائل وإلى جولة جديدة من الإعمار السياسي.

النخب الثقافية والعلمية والسياسية لأهل السنة مدعوة أمام التاريخ للنزول من أبراجها العاجية وتبوء دور يليق بقدراتها الفكرية ويتناسب مع طبيعة الأزمة ويصوب المفاهيم ويعدل البنية الفكرية بما ينسجم مع الواقع جديد.

في البداية انتفضت الأمة لمواجهة خصم مشتط لكنه صدوق (الخوارج) واليوم تواجه خصماً كذوباً وإن صدق (الصفويون الجدد).

(*)أزمة الخوارج في تكفير فاعل الكبيرة والانطلاق منها إلى تغيير النظام السياسي.

عن موقع القادسية