الحقيقة الغائبة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


قال سبحانه وتعالى في الآية 111 من سورة النحل:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ


تخاصم كل نسَمَة وتحاج عن نفسها ;
جاء في الخبر أن كل واحد يقول يوم القيامة : نفسي نفسي ! من شدة هول يوم القيمة سوى المبعوث رحمة للعالمين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يسأل في أمته، فيقول : اللهم أمتي أمتي.

وفي حديث عمر أنه قال لكعب الأحبار : يا كعب , خوفْنا هيجْنا حدثْنا نبهْنا .
فقال له كعب : يا أمير المؤمنين , والذي نفسي بيده لو وافيْتَ يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيا لأتت عليك تاراتٌ لا يهمك إلا نفسك , وإن لجهنم زفرةً لا يبقى ملك مقرب ولا نبي منتخبٌ إلا وقع جاثيا على ركبتيه , حتى إن إبراهيم الخليل ليدلي بالخُلة فيقول : يا ربِّ , أنا خليلك إبراهيم , لا أسألك اليوم إلا نفسي ! قال الفاروق عمر: يا كعب , أين تجد ذلك في كتاب الله ؟ .
قال كعبٌ: إنّه في قوله تعالى: { يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }.

وقال ابن عباس في هذه الآية : ما تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتى تخاصم الروحُ الجسد ; فتقول الروح : رب , الروحُ منك أنت خلقته , لم تكن لي يد أبطش بها , ولا رجل أمشي بها , ولا عين أبصر بها , ولا أذن أسمع بها ولا عقل أعقل به , حتى جئت فدخلت في هذا الجسد , فضعّفْ عليه أنواع العذاب ونجني ; فيقول الجسد : رب , أنت خلقتني بيدك فكنتُ كالخشبة , ليس لي يد أبطش بها , ولا قدم أسعى به , ولا بصر أبصر به , ولا سمع أسمع به , فجاء هذا كشعاع النور , فبه نطق لساني , وبه أبصرتْ عيني , وبه مشتْ رجلي , وبه سمعتْ أذني , فضعّفْ عليه أنواع العذاب ونجني منه .
قال ابن عباس: فيضرب الله لهما مثلا أعمى ومقعداً دخلا بستانا فيه ثمار , فالأعمى لا يبصر الثمرة ، والمقعد لا ينالها, فنادى المقعد الأعمى ايتني فاحملني آكلْ وأطعمْك , فدنا منه فحمله , فأصابوا من الثمرة ; فعلى من يكون العذاب ؟
قال : عليكما جميعا العذاب ; .......ذكره الثعلبي ( تفسير القرطبي).

أقول :
فإذا كانت الرسل الكرامُ والملائكة المقربون تخشى هذا اليوم ، وتخافه حتى إنهم – وهم الذين لا يحاسبون ولا يأخذون كتبهم فهم في علّيين ولأن الله تعالى ذكر مرات عديدة أن أجرهم في تبليغ الرسالة يؤهلهم لدخول المقامات العليّة وهم أوائل من يدخل الجنة دون حساب ولا عذاب – يخافون وتَوْجل قلوبُهم ، فأين نحن منهم وما ترتيبنا بعدهم؟! ولماذا يَرين على قلوبنا الذنب والأخطاء حتى ننسى هذا الموقف الذي يزلزل الأركان ويعصف بالقلوب والحنايا؟!

اللهم إليك المشتكى وعليك التكلان ، وأنت الرحيم بعبادك فنجّنا من عذاب الآخرة ، واغفر لنا زلاتنا
يا أرحم الراحمين.

الموضوع الأصلي: الحقيقة الغائبة/د. عثمان قدري مكانسي || الكاتب: Nabil48 ||