حقيقة الصيام .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على إمام الهدى، ومصباح الدجى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى يوم الدين .
-الصوم سر بين العبد وربه، لا يطلع عليها غيره، فتترك الشهوات المباحة كشهوة النكاح ، ويترك الأكل والشرب في نهار رمضان ، طاعة لله، ورغبة في ثواب الله، وخوفاً من عقابه . وتأمل قول الله عز وجل في الحديث القدسي : ( الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي .. الحديث ) ( ) . فلما تُرك الأكل والشرب، والجماع في نهار رمضان، -مع الإمكان فعله سراً بحيث لا يطلع عليه أحد- خوفاً من الله، ورجاء موعود الله، تكفل الله بالإثابة عليه من عنده بلا قدر ولا حد ، وما ظنك بفضل وكرم ملك الملوك جل في علاه ! .
-وحقيقة الصيام كما أنه تركٌ للأكل والشرب والجماع في نهار رمضان، فهو أيضاً تركٌ لقول الزور والعمل به، وتركٌ للغيبة والنميمة ، والكذب وسائر الأعمال المشينة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ( ) . قال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء ( ) .
قال صلى الله عليه وسلم : ( الصيام جُنة ) ( ) . وعند النسائي من حديث عثمان بن أبي العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الصوم جنة من النار، كجنة أحدكم من القتال ) ( ) . فليحرص المسلم على أن يحفظ صومه ولا يفسده، فهو وقاية له من النار .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أصبح أحدكم يوماً صائماً فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله ، فليقل إني صائم ، إني صائم ) ( ) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فلا يرفث ) الرفث : هنا الجماع، ويراد به أيضاً الكلام الفاحش ، وقوله : (ولا يجهل ) أي : لا يفعل شيئاً من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك ( ) .
وأمر الصائم بالبعد عما يخدش الصوم ويفسده، ومتى ما شتمك شاتم أو عرض لك مخاصم، فذكره بالصيام مرتين ، (إني صائم، إني صائم) ، لعله ينزجر ويترك المشاتمة والمقاتلة، ولعل نفسك تنزجر إذا ذكّرتها بالصيام .
- وحقيقة الصيام، أن الصائم يتقرب إلى ربه بصومه مؤمناً محتسباً ، قال صلى الله عليه وسلم : ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه... الحديث ) ( ) . وقوله : ( إيماناً) أي: مصدقاً بأنه حق ، وقوله : ( احتساباً) : أي يريد بعمله وبصومه وجه الله لا أحداً سواه . فمن صام موقناً ومصدقاً بأنه حق من الله، ومحتسباً أجره على الله مخلصاً نيته لله، فقد أتى بما يؤدي إلى غفران الذنوب السالفة، وفضل الله واسع .
اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً ، وقام رمضان إيماناً واحتساباً ، اللهم وفقنا للعمل فيه على الوجه الذي يرضيك عنا ، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين .