| صدر في شهر آب من عام 2005 كتاب يحمل عنوان "الكتاب الأسود لصدّام حسين" بإشراف الكاتب والصحفي الفرنسي كريس كوتشيرا ...
يحتوي على دراسات ووقائع بأقلام نخبة لامعة من كتّاب وباحثين يعرضون فيه كمّاً هائلاً من الحقائق...
حقائق ووثائق تكفي الواحدة منها لإدانة صدّام وحاشيته ألف مرّة ! بألف مقصلة...
حقائق قرأنا عنها...عشناها، عايشناها ككورد أوكعراقيين بأدق تفاصيلها...إبتعدت عن الخوض فيها الأغلبية المطلقة للأقلام العربية لأسباب لا يسع المجال هنا في ذكرها ، ولكن بحث وتحرّى فيها غرباء عن مجتمعنا ...غرباء أحسّوا آلامنا ومآسينا وتأثّروا لحالنا في وجدانهم وروحهم!
فاتحت السيّد كريس كوتشيرا لترجمة فصول من الكتاب ونشره في مواقع كوردية وعراقية للانترنيت فوافق على الإقتراح مشكوراً.
سأبدأ إذاً بفصل العلاقات الفرنسية – العراقية. بقلم كريس كوتشيرا
ثمّ فصل الدولة العراقية ضد الشعب الكوردي. بقلم كريس كوتشيرا أيضاً ...
ويتضمّن:
1- تعريب كركوك...
2- - فقدان 8 آلاف بارزاني مع الوثائق والرسائل المتبادلة بين الدوائر الأمنية...
3- - البحث عن المفقودين في المقابر الجماعية...
4- حملة الأنفال...
5- تهديم كنائس كوردستان...
6- قصف حلبجة بالسلاح الكيمياوي...
مع شهادات حيّة لرجال عاشوا في قلب المأساة (التراجيديا) الكوردية خلال سنوات حكم صدّام السوداء...
ويليه فصل عن تهجير الكورد الفيليين بقلم جينس أويه راهه Jens-Uwe Rahe
وأخيراً الفصل المتعلّق بالعلاقات الأمريكية – العراقية...العلاقات الغامضة. للكاتب الأمريكي جوناثان راندل Jonathan Randal
أُهدي هذه الترجمة:
لروح شهداء حلبجة...
لروح البارزانيين...
لروح الفيليين والمؤنفلين...
لروح شهداء كوردستان والأهوار...
لروح هاني (أخي) الذي لم يكن قد بلغ الثامنة عشر...لروح رفاقه الثلاثة وهم ينتظرون معه مقصلة الظالم الجبان بشموخ وفخر منذ دخولهم في 9-1-1985 دهاليز صدّام... وإلى 6-10-1985 يوم رحّلوهم عنّا ليجتمعوا بكواكب من شهداء سبقوهم بعد أن رووا أرض كوردستان بدمائهم الطاهرة.
فلنكن أوفياء لمن أكرموا بروحهم لنقول اليوم نعم للإنتخابات...ولقائمة التحالف الكوردستاني(730) بأعداد كاسحة تخرس الناعقين...
الفصل الأوّل
(1-2)
قصّة العشق والهيام بين فرنسا والعراق
كريس كوتشيرا(CHRIS KUTSCHERA)
2005 (دار النشر OH)
صحفي وكاتب متخصص في شؤون الشرق الأوسط والكورد,
كتب في النوفيل أُوبسيرفاتور-NouvelObservateur ، اللوموند ديبلوماتيك –Le Monde Diplomatique، كاييه دو لوريان –Cahier de Lorient، ومجلّتي الوسط والشرق الأوسط,
صدر له:
الحركة القومية الكوردية (Le Mouvement National Kurde Flammarion 1979 )الذي يُعتبر مصدراً رئيسياً في اللغة الفرنسية عن هذا الشعب.
التحدّي الكوردي أو الحلم المجنون للإستقلال (Le Défi Kurde ou le Rêve fou de l’indépendance,1997 )
كوردستان، الدليل الأدبي(Le Kurdistan, guide littéraire, Lausanne, Favre, 1998
ترجمة : خسرو بوتاني
كانت الحكاية في البداية :
تحرّش فرنسي لعذراء عقدوا قرانها مع بريطانيا، يوم الإنتداب، في عام 1922 .
لم تعد لفرنسا علاقات دبلوماسية مع العراق منذ إشتراكها في حملة السويس عام 1956.
ولكن بعد ثورة تموز 1958 مدّ عبدالكريم قاسم يده إلى فرنسا ولكن تردّد الأخيرة دفع الرئيس العراقي إلى التوجّه نحو الإتحاد السوفياتي والإنسحاب من حلف بغداد في عام 1959.
نهاية حرب الجزائر وإستقلالها خفّفا من حدّة الخلافات القائمة وشجّع قاسم على إعادة العلاقات الدبلوماسية بين باريس وبغداد معلناً: "بيننا وبين الشعب الفرنسي أواصر صداقة لم ينبغي لطاريء أن يؤثّر عليها" وبعد أيّام تم التوقيع على إتفاقية ثقافية وفنية بين البلدين.
بعد ذلك، تطورت العلاقات سريعاً فبعدما احتلّت فرنسا المرتبة 23 في عام 1963 أصبحت في الموقع 13 في العام 1966 وبعد إستقبال قصرالإليزيه لعدنان الباججي وزير خارجية العراق آنذاك ارتفع التبادل التجاري بينهما لتأخذ المرتبة الخامسة في عام 1968.
في الواقع، الإنطلاقة الحقيقية للعلاقات بدأت تظهر علناً بعد حرب حزيران 1967 وموقف ديغول منها إذ حذّر الجنرال الفرنسي(ديغول) آنذاك الإسرائيليين ونبّههم بعدم إستئناف القتال وفرض حظراً على تصدير السلاح الفرنسي إلى أطراف النزاع وإلى إسرائيل بوجه خاص.
شجّع هذا الموقف الحكومة العراقية على مراجعة سياستها تجاه فرنسا ودفعها إلى الموافقة على عودتها في إستخدام خط انابيب النفط العراقية للتسويق في حين إلتزمت بحظرها وإمتنعت عن تزويد بريطانيا والولايات المتحدة وجمهورية المانيا الإتحادية بالنفط العراقي.
في تموز من عام 1967 قرّر العراق تسليم فرنسا المصالح البريطانية والامريكية في العراق فوقّع معها على إتفاقية اقتصادية بتاريخ 19 أيلول 1967.
رغب عبدالرحمن عارف منح شركة النفط الفرنسية حق تطوير وإنتاج حقول نفط الرميلة في جنوب العراق ولكن تردّد الشركة الفرنسية واستسلامها للضغوط الامريكية دفعت الحكومة العراقية إلى تسليم الحقل المذكور للإتحاد السوفياتي ما عدا مساحة صغيرة خُصّصت لشركة الف-ايراب(ELF-ERAB).
في 3 شباط 1968 تم توقيع عقد بين الشركة الفرنسية ايراب و(شركة النفط الوطنية العراقية) ينص على إعتبارالشركة الفرنسية "متعاقدة عامة -contractuel général -" ويسمح لها المباشرة في إستكشاف النفط في أربعة قواطع بمساحات تقدّر ب10800 كلم2 ولكن بشروط صعبة وقاسية: حيث كان على الشركة إعادة 55 بالمئة منها بعد ثلاث سنوات وحدّد لها فترة ست سنوات للإحتفاظ فقط بحقل الإنتاج. ومع ذلك فعند أي إكتشاف جديد يتم توقيع عقد لعشرين سنة.
وفرض العراق على ايراب ( وفقاً لشروط العقد ) تمويل إنتاج الحقل وإستقطاع الديون بعد تسويق النفط وبيعه. وينصّ العقد أيضاً على إعفاء العراق من أي إلتزام بتسديد المبلغ نقداً ولكن بالمقابل يمنح العقد حقاً للشركة الفرنسية بشراء 30 بالمئة من النفط المستخرج.
قام الرئيس العراقي عبالرحمن عارف بزيارة رسمية إلى فرنسا في الفترة7-10 شباط 1968 وأبدى خلالها رغبته في شراء عدد من طائرات الميراج ولكن مساعيه ذهبت أدراج الرياح، فبعد شهور قلائل من هذه الزيارة أي في تموز 1968 أطاح البعث بهذه الشخصية الضعيفة لتتطور العلاقات الثنائية بعدها بشكل غير معهود.
إشتركت فرنسا لأوّل مرّة في معرض بغداد الدولي عام 1969 وحضرته في عام 1971 لجنة إقتصادية فرنسية برئاسة السيد كورس(CORSE).
لم يعكر جو العلاقات بين الطرفين سوى مشاكل شركة ايراب وشكاويها بسبب فقدان النفط
لبريقه"الثوري" على الصعيد العالمي: فبعد إستثمار ايراب لمبلغ 30مليون دولار في حقول النفط إستنتجت الشركة بأنّ ما يكلّفها يفوق ما تجنيها من أرباح إقتصادية فرغبت التخلّص من إالتزاماتها إلى أن توّصل الطرفان بعد سنوات مضنية من المفاوضات إلى إتّفاق "بالإنفصال ودّياً" في عام 1977.
أمّا النقطة الرئيسية الثانية التي شجّعت على تطوير العلاقات الثنائية تعود لإتّخاذ فرنسا موقفاً مرناً خلال الشهور التي سبقت تأميم شركة النفط الوطنية العراقية في الأوّل من حزيران عام 1972 ولتفهّمها لقرار شركة النفط العراقية بتخفيض 40 بالمئة من كمية النفط المرفوعة، إثر توقيع الإتّفاقية العراقية السوفييتية في أواسط نيسان بضخ نفط الرميلة في السوق التجارية، كإجراء إنتقامي صريح ضد بريطانيا وامريكا.
ففي أعقاب الإنذار العراقي الموّجه للشركات الأجنبية جهدت فرنسا بكل وسعها إلى تهدئة الأمور وتشجيع الأطراف المعنية لإيجاد ارضية للتوافق والمساومة.
بعد التأميم، مكافأة لموقف فرنسا إقترحت بغداد على حكومتها بفتح مفاوضات "للحفاظ على مصالحها" ولكن الأخيرة وجدت نفسها في موقف صعب جدّاً لأن رفض الإقتراح كان يعني" إتفاقها سرّاً" مع "معسكر "الامبرياليين".
إعتمدت فرنسا في ثلث مستورداتها النفطية على الشركة الفرنسية في حين لم يكن يمثل هذا النفط عشراً أو واحداً من عشرين من مصادر إستيراد بريطانيا والأعضاء الآخرين .
هل كانت فرنسا قادرة على إتّخاذ القرار والسير لوحدها ؟
بعد التمعّن يتبّين جليّاً بأن الطريق كان مسدوداً في وجهها تقريباً لأن شركة النفط الفرنسية تشترك مع الأعضاء الآخرين(Royal Dutch, Mobil, Standard oil of New Jersey, BP) وتعمل معها في دول عديدة كالإمارات العربية مثلاً وآنذاك لم يخفي السيد (René Granier de Liliac) أسفه ولم يدّخر جهداً للوصول إلى حل للجميع "له ولشركائه" من جهة وللدفاع من الجهة الثانية عن مصالح فرنسا(مصالح شركة النفط الفرنسية بوجهٍ خاص).
بعد تأميم شركة النفط العراقية، زار بغداد وفد من مدراء البنوك الفرنسية العربية لدراسة الوسائل الممكنة لمساعدة الحكومة العراقية مالياً ومن بين تلك البنوك نذكر مصرف UBAF(الذي يمتلك فيه لوكريدي ليونيه-Le Crédit Lyonnais - 40 بالمئة من رأسماله) ومصرف FRAB-BANK(الذي يمتلك فيه السوسييتي جينيرال-Societé Générale - ربع الرأسمال).
ترجمت بغداد هذه الزيارة على أنّها موافقة ضمنية لباريس على مقترحاتها ممّا دفعت الصحافة البريطانية إلى التنديد بالموقف الفرنسي "غيّرت فرنسا معسكرها" العبارة التي برزت على صدرالصفحات الأُولى لجرائد لندن.
هلّل النظام العراقي وارتفعت بين جماهيره درجة سخونة العواطف الإيجابية لنظام الرئيس بومبيدو الذي يسير على خطى ديغول.
بعد فشل المفاوضات في شباط 1972 مع شركة النفط العراقية قام صدّام حسين بزيارة سرّية إلى موسكو أدّت إلى توقيع إتّفاقية صداقة وتعاون مع الإتحاد السوفييتي في 9 نيسان 1972 ونجح من لم يكن آنذاك إلاّ "ذئباً شاباً" ورجلاً ثانياً في النظام في تهشيم جبهة الغرب النفطية من جهة وتجنّب الوقوع في فخ الإعتماد كلّياً على المعسكر الإشتراكي من الجهة الثانية.
كان للحدث السعيد أوالمأساوي في السياسة العراقية الداخلية تأثير كبير على مستقبل ومستوى العلاقات بين باريس وبغداد.
إختصرت نظرة نائب الرئيس العراقي صالح مهدي عمّاش إلى فرنسا في كونها جسراً أو سلّماً يرتقيه للعبور إلى بريطانيا والمانيا الإتّحادية ممّا حدا بالآخرين إلى تنحيته من المنصب وتعيينه سفيراً في الإتحاد السوفياتي.
أثبت صدّام من خلال هذه الحادثة كفاءته وقدرته في التخلّص من منافسيه والذي كان يرى في فرنسا "قطباً" يشد نحوه البلدان الأُخرى من المجموعة الاوروبية ويقودهم لبناء علاقات خاصّة - واكثر عدالةً - تجاه العالم العربي.
لعب السيد بيير سيرل(PIERRE CERLES) السفير الفرنسي في بغداد والمتخصّص في الشؤون السوفياتية دوراً كبيراً لدفع العلاقات الفرنسية العراقية نحو الأمام وهو الذي سلّم في كانون الأوّل 1972 دعوةً رسمية إلى صدّام لزيارة فرنسا.
تم أثناء هذه الزيارة التي جرت في أواسط حزيران 1972 توضيح وتحديد للمواقف فقد صرّح صدّام حسين حين وصوله في 14 حزيران: "لم نأتي إلى هنا لطلب السلاح وإنّما جئناكم لتثبيت أركان العلاقات الفرنسية العربية على أُسس متينة" وردّ عليه شابان ديلماس رئيس وزراء فرنسا مشدّداً على الجانب اللغوي والثقافي للعلاقة فأجابه صدّام: "الصداقة لاتقبل القسمة على نفسها ويجب ترجمتها ليس على الصعيد الثقافي فحسب وإنّما لتشمل كل المجالات: الاقتصادية والسياسية بشكل خاص..."
وبعد هجومه الشديد على أمريكا وإنكلترا والمانيا الإتّحادية وسعي هذه الدول إلى فرض حلول غير منصفة أضاف: "سنفتح بابنا لفرنسا وندعوها للإستفادة من الفرصة التي نقدّمها لمصلحتها ولمصلحتنا على السواء."
ما الذي قصده بالإنفتاح ؟ هل يقترح على فرنسا إتّفاقية مماثلة لتلك التي وقّعها مع الإتّحاد السوفياتي ؟
تحفّظت الحكومة لأن ثمّة أشياء تتداخل وتعتمد أساساً على القرارات التي ستتّخذها فرنسا تجاه تجمّع (كارتل) الشركات النفطية.
في 15 حزيران قابل صدّام حسين الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو في قصر الإليزيه ووقّعت شركة النفط العراقية اثناء إقامته في باريس إلى يوم 18 حزيران إتّفاقية تفضيلية لفرنسا يسمح لها بموجبها رفع 12 مليون طن من النفط خلال عشر سنوات وهي بالضبط ذات الكمّية التي كانت مخصّصة لها قبل التأميم وبسعر تفضيلي ومنخفض نسبياً مقابل مساعدة فرنسا للعراق في "تحقيق مشاريع صناعية وإبراز أهمّية المصادر الطبيعية الأُخرى."
في النهاية غادر صدّام حسين باريس ولم يوقّع على معاهدة.
وفي السنة التالية أي في عام 1973 توصّل العراق إلى إتّفاق مع الشركاء الآخرين لشركة النفط الوطنية العراقية بشأن التعويضات عن حصصهم المؤمّمة.
إقتربت فرنسا من العراق أكثر حينما تقلّد ميشيل جوبير منصب وزارة الخارجية في حكومة بومبيدو عام 1973 وكان قد سبقه موريس شومان وزير خارجية حكومة جورج بومبيدو 1969-1973 في تطوير العلاقات الفرنسية – العربية وتعميقها.
قفزت العلاقات الثنائية قفزة نوعية في عهد وزير خارجية فرنسا ميشيل جوبير وحكومة السيد بيير ميسمير.
جوبير الذي زار بغداد في 9 شباط 1974 بعد قيامه بجولة في دول الشرق الأوسط الرئيسية كتب مؤخّراً يقول: " تحدّد دوري بالمبادرة إلى تطويرعلاقات سياسية طويلة الأمد وفتح أبواب بلدان الشرق الأوسط المتجهة تقليدياً نحو ثقافة وإقتصاد الدول الأنكلو- ساكسونية أمام صناعييّنا ، تجّارنا وأساتذتنا. كان علينا البدء ببناء أساس للحوار ومن ثمّ الحضور على الساحة مباشرةً لكسب ثقة الآخرين. العمل على إنجاح السياسة التي إتّبعتها فرنسا منذ عام 1967 وفتح أُفاق صناعية وثقافية كانت مسدودة في وجهها سابقاً."
أعلن صدّام حسين لميشيل جوبير لدى إستقباله في بغداد: " فرنسا هي الشريكة المثالية للعراق لأنّها بأي حال من الأحوال لا تهدّدنا ولا تهدّد أيّاً من محيط الجوار."
وتناولوا في اللقاء موضوع الأسلحة لاوّل مرّة رغم التصريح الرسمي بعدم التعرّض لهذا الأمر إلاّ في العموميات.
تحدّثوا أيضاً وبصورة تفصيلية عن الجانب المدني من العلاقات حيث كان للفرنسيين خطط طموحة في ميدان: الصناعات الثقيلة، البتروكيمياويات، الاسمنت، معامل النسيج والورق ومد أنابيب النفط.
إضافة إلى ماسبق فقد كان جوبير يحمل معه مشاريعاً سياسية لذا فقد إقترح على بغداد بإطلاق مبادرة لعقد مؤتمر عالمي حول الطاقة يجتمع فيه المنتجون والمستهلكون وطرح كذلك على صدّام وبتركيز خاص مشروع " الحوار الاوروبي- العربي"
ردّة الفعل الإسرائيلية على هذه الزيارة كانت عنيفة بحيث كتبت الصحيفة دافار(Davar) تقول:" قامت فرنسا بتصفية سياستها المستقلّة بشكل تام مقابل النفط العربي."
زار العراق، بعد مغادرة جوبير بفترة قصيرة، وفد إقتصادي مؤلّف من 45 من رجال الأعمال يتقدّمهم حبيب دولونكل رئيس غرفة التجارة الفرنسية العربية لمدّة 5 أيّام.
وفي 14 آذار 1974 تم توقيع إتّفاقية للتعاون الاقتصادي والفنّي بين البلدين وقرّرا تشكيل لجنة مشتركة تجتمع مرّة واحدة على الأقل سنوياً.
وفي 28 أيار غادر ميشيل جوبير وزارة الخارجية على أعقاب وفاة الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو في 2 نيسان عام 1974.
وقّعت الشركة الفرنسية كروزو لولوار(Creusot le Loire) عقداً مع العراق لإنشاء معمل للصلب في خور الزبير قرب البصرة بقيمة 600 مليون فرنك فرنسي وفي تشرين الأول 1974 حصلت هذه الشركة على عقود جديدة بينها:
- بناء شبكة لمجاري المياه بطول 40 كيلومتراً؛
- إنشاء وحدتين لفرز وتصفية خردة الحديد؛
- معدّات وأجهزة للموانيء
على أن تكون الوحدة الإنتاجية الاولى بطاقة 400000 طن سنوياً من المعدن المركّز للحديد لتجهيز مجمع الحديد والصلب في خور الزبير والوحدة الثانية بطاقة إنتاجية تتجاوز 750000 طن سنوياً موجّهة للتصدير.
بعد التوقيع على عقد – يتجاوز مليار فرنك لأوّل مرّة- فتح شيراك عهداً جديداً من العلاقات الثنائية المترجمة بعقوده "الهائلة"
كان هناك إنسجام وتوافق في سلوك شيراك رئيس وزراء حكومة الرئيس الفرنسي الجديد فاليري جيسكار ديستان مع سلوك صدّام حسين الذي لم يكن عهد ذاك غير الرجل الثاني في العراق.
رأى شيراك في صدّام حسين القوميّ الهائج الذي يسعى لبناء بلده وصياغة أُمّة فأعجبه.
ونداءاته بالسير في خط إستقلالي بعيداً عن الكتلتين الأمريكية والسوفياتية قرّبت منه الديغولي العنيد.
"أخرج جاك شيراك صدّام حسين من عزلته " حديث يتردّد اليوم على لسان دبلوماسييّن فرنسيين يميلون إلى نسيان جهود الذين سبقوه في الجكم.
فمجريات الأحداث - حرب اكتوبر 1973 ومضاعفة سعر البترول أربع مرّات - ساهمت أيضاً بدور في تطوير العلاقات الفرنسية العراقية: في عام 1975 عندما كانت صادرات فرنسا تغطّي بالكاد 10 بالمئة من مستورداتها النفطية كشفت الصحافة الفرنسية بأنّ العراق خصّص 3 مليارات دولار للإستثمار في قطّاعه الصناعي وكتبت:" يمثل هذا المبلغ تقريباً مقدار العجز في ميزانية فرنسا لعام 1974 "
إعتباراً من هذا التاريخ أصبح العراق قطعة شطرنج أساسية في الدبلوماسية الفرنسية.
في تشرين الثاني 1974 توجّه كريستيان بونيه وزير الزراعة الفرنسي إلى بغداد ووقّع هناك على إتّفاقية للتعاون الزراعي وتبعه جاك شيراك في كانون الأوّل 1974 ليسجّل اسمه في تاريخ العلاقات بين البلدين بكونه أوّل رئيس وزراء فرنسي يزورالعراق رسمياً.
ولعبت الصدفة دورها في أن يقع الخيار على شخص شيراك لأنّ زيارته كانت ردّا للدعوة التي وجّهها صدّام قبل هذا التاريخ بسنتين لجاك شابان ديلماس.
أعلنت حاشية شيراك آنذاك بأنّ الزيارة "إقتصادية بالدرجة الأُولى"
بعد العودة إلى باريس سرّب مكتب رئيس الوزراء أرقاما هائلة تجاوزت ال(15) مليار فرنك فرنسي لعقود مفترضة سيتم التوقيع عليها في المستقبل القريب منها:
بناء شركة بيشينيه(Pechiney) لمعمل الومنيوم بكلفة (400 مليون فرنك)؛
بناء مستشفى عسكري بسعة 1600 سرير وبكلفة (800 مليون فرنك)؛
بناء مجمع بتروكيمياوي في البصرة بكلفة (3.5 مليار فرنك)
إضافة إلى هذا، تأسيس شبكة إتصّالات سلكية وبناء معملين أحدهما لتركيب سيارات (بيجو) وثانيهما لتركيب حافلات (سافييم) وعدّة مشاريع أُخرى مشتركة والأهم من كل هذا هو نيّة العراق الحصول على عدد من طائرات الإيربوس (َAirbus) سيتم توقيع عقد شرائها على الأرجح أثناء زيارة نوربير سيكار(Norbert Segard) سكرتير الدولة للتجارة الخارجية في شهر شباط 1975.
وأضاف المصدر أيضا بأنّ العراق كان على وشك تبنّي نظام التلفزة الالمانية(Pal) ولكن غيّر رأيه وإختار النظام الفرنسي (Secam) ليكون ذلك بمثابة "هدية" قدّمها صدّام حسين لضيفه شيراك.
ولماذا لا يسمح لنفسه بذلك!
أ لم تبعْ فرنسا للعراق – رغم تكتّم الصحافة – أسلحة وبالأخصّ 40 طائرة هيليوكوبتر(Alouettes) إستخدمها مباشرة بعد الحصول عليها ضد الشعب الكوردي ؟!
يبدو بوضوح كم كان صدّام حسين جذاباً لشيراك (لحالته الصحية السيئة، لم يستطع أحمد حسن البكر إستقباله) وإلاّ كيف يمكن تفسير إطراءه العجيب للنظام العراقي:"القومية بأروع معانيها والإشتراكية كوسيلة لتعبئة الطاقات وتنظيم مجتمع الغد هما شعوران قريبان من قلب الشعب الفرنسي."؟
عبارات أثارت الكاتب الفرنسي كلود لوروا(Claude Leroy ) ودفعته إلى الكتابة في عمود صحافي حر مستهزءاً وساخراً "ولع شيراك المفاجيء لنمط خاص من(إشتراكية) تعمل على تسخين الطبخة(وغليان القِدر) - يلعب الكاتب بالعبارة ويقطّعها إلى كلمات والترجمة الشائعة للعبارة هي تأمين وتوفير رزق البيت والعائلة – المترجم !
والأغرب من كل هذا هو إحساس صدّام وما أصبح يكنّه في الأعماق من صداقة حقيقية لجاك شيراك بحيث لم يعد يتردّد في مكالمته هاتفياً وبشكل مباغت (فتتراكض حاشية شيراك يُمنةً ويسرى للبحث عن مترجم في الجوار القريب) كلّما إحتاج لمشاورته في قضاياه المتعدّدة.
لم تمر أسابيع وإذا بإتّفاقية للتعاون النووي يتم التوقيع عليها بين الدولتين.
في شهر آذار من عام 1975 مرّ صدّام سريعاً على باريس وهو في طريقه إلى الجزائر لإجتماع منظّمة الأُوبيك وتصالح أثناءه مع شاه إيران بطريقة إستعراضية مذهلة فدعاه شيراك على الغذاء.
وصلت العلاقات الفرنسية العراقية إلى درجة متقدّمة من التطوّر، والروابط بين الشخصيتين متينة وإستثنائية. ورغم هذا، فأثناء الزيارة الرسمية الثانية لصدّام حسين إلى فرنسا وخلال قضائه لعطلة نهاية الاسبوع مع جاك شيراك في الريف، بدأ التساؤل والشك في باريس إنْ لم يكن الرقم ( 15) مليار فرنك الذي أوحى به شيراك خلال زيارته لبغداد مُبالغاً فيه:
أ لا يكون ما تم إعلانه هو، بالأحرى، تحصيل حاصل لثلاث إحتمالات"المؤكَّد والمحُتمل والمُفترض"؟
تساءلت باريس إنْ لم تكن تلك العقود "الهائلة" إلاّ حلماً وسراباً ؟
وأخيراً لم تتجاوز العقود الموقعة عام 1975 ، في الواقع، الرقم ( 2 ) مليار فرنك فرنسي.
ويعود التفسير في ذلك إلى الإمكانيات المحدودة لقطّاع النفط العراقي وهزالة بناها التحتية من جهة وإلى التنافس الأجنبي الحاد والمضطرد على السوق العراقية من جهة ثانية.
فالالمان بعد عودة علاقاتهم الدبلوماسية مع بغداد دخلوا بقوّة وأصبحوا يحتلّون المرتبة الأولى في صادراتهم للعراق والتي تقدّر بمليار ونصف المليار فرنك فرنسي.
ولكن هذه الحقيقة لم تمنع شيراك بإستقبال صدّام حسين في مطار أُورلي في 5 أيلول 1975 "كصديق شخصي" يكنّ له "الإحترام" وينظر إليه بعين "العطف" ويذهب إلى أكثر من هذا عندما يقول: "سياسة فرنسا لا تحدّده المصالح فقط وإنّما تعتمد أيضاً على النبضات النابعة من القلب."
وفي 9 أيلول 1975 خلال زيارته لمركز كاراداش (Caradache) الذري وقّع نائب الرئيس العراقي على إتّفاقية للتعاون النووي بين البلدين. إتّفاقية تنص على إنشاء مركز للأبحاث النووية بقيمة 1.5 مليار فرنك مجهّز بمفاعل ذرّي تجريبي من نوع أُوزيريس(Osiris) يعمل على اليورانيوم المركّز. وفتحت هذه الإتفاقية الطريق لبناء مركز "تمّوز" للأبحاث النووية لتهيئة وإعداد مئات الكوادر الفنية.
ولكن في 7 حزيران من عام 1981 وأثناء الحرب العراقية الإيرانية قصف الطيران الإسرائيلي المفاعلات النووية العراقية ودمّرها قبل تحميلها مباشرةً بالوقود النووي.
وإستمر التعاون النووي بين البلدين الذي أعتبر سرّاً من أسرار الدولة – رغم تحفّظات وزير خارجية فرنسا جان سوفانيار(Sauvagnard) آنذاك – وتشير كل الدلائل بأنّ الأمر قد وصل حدّا لم يعد مقبولاً ومسموحاً به.
الجنرال (Galois) وهو إختصاصي في الموضوع يتذكّر تصريحاً لصدّام حسين بعد خروجه من قصر الإليزيه ومباشرة بعد مقابلته للرئيس الفرنسي بأنّ العراق سيصبح "أوّل قوّة نووية في الهلال الخصيب"
وقد أكّدت الإتّفاقية الموقعة مع فراماتوم(Framatome) صحة ما ذهب إليه الجنرال الفرنسي.
يبدو أنّ فرنسا رغبت في أن يكون العراق قوّة نووية (لا يزال القول للجنرال كالوا) حيث ذهبت إلى بغداد لإلقاء محاضرات عن الاستراتيجية النووية وكان من بين تلاميذي صدّام حسين نفسه " ويفضح" الجنرال "اللاأخلاقية " في موقف فرنسا التي شاركت الولايات المتحدة الأمريكية بقصف العراق عام 1991.
بعد زيارة صدّام حسين لباريس عادت الصحافة الفرنسية من جديد بالكتابة عن العقود العراقية التي لم تكن في المحصّلة إلاّ حلماً و"سراباً"(Mirages): حيث لم يتحدّثوا مطلقاً عن الإيربوس ولا عن المستشفى ولم يُسمَع خبر عن مصنع الالمنيوم ولم يتم توقّيع عقد بشأن سدّ الموصل وفيما يخص مجمع البتروكيمياويات في البصرة فقد قدّمت مجموعة من الشركات الفرنسية وعلى رأسها كروزو لولوار(Creusot le loire) مناقصة ب 8 مليارات فرنك فكان الجواب العراقي"غالي جدّاً".
لأنّ الصادرات الفرنسية أخذت في الواقع مساراً جديداً وتوجّهاً آخر – التركيز على المواد والأجهزة العسكرية – فحضرت إلى فرنسا لهذا الشأن لجنة عسكرية عراقية في كانون الأوّل 1975 لشراء معدّات للقوّة الجوية العراقية.
وفي الشهر الذي تلاه أي في 27 كانون الثاني 1976 حطّت طائرة شيراك في مطار بغداد وكان في طريقه إلى الهند برفقة وزير التجارة الخارجية ريمون بار(Barre Raymond ) فدعاهم صدّام للغذاء وأثناء تناولهم للطعام تابع الرجلان المناقشات إلى وقت متأخر من الليل وعادوا إليها عند تناول الفطور.أهدى شيراك لصدّام حسين خلال اللقاء طقماً كاملاً للصيد يعود إلى القرن الثامن عشر وفي المقابل أهدى الأخير لشيراك نخلة مصنوعة من الذهب الخالص ورفض الناطقون الرسميون التعليق على أي شيء دار بينهما.
هل تناولا موضوع الأسلحة؟
سكون وسكون مطبق.
في منتصف آذار 1976 وصل العراق الجنرال الفرنسي كريكو(Grigaut) رئيس أركان السلاح الجوي وفي نهاية أيار 1976 عاد ريمون بار إلى العراق في زيارة رسمية إستغرقت 3 أيّام وكانت تلك آخر زيارة له كوزير للتجارة الخارجية وفي أيلول من عام 1976 جاء عدنان حسين وزير التخطيط العراقي( أُعدم في 1979 ) إلى فرنسا للتفاوض – رسميا- على شراء طائرات الميراج.
إستمرّت المفاوضات عاماً كاملاً قبل الوصول إلى نتيجة. عاد ريمون بار إلى بغداد يومي 25-26 حزيران 1977 بثياب رئيس الحكومة هذه المرّة.
وأراد القدر أن يقطف غريم شيراك ثمرة علاقات الأخير الشخصية مع صديقه صدّام حسين.
على الصعيد السياسي، مغادرة شيراك لقصر الماتينيون أقلقت المسؤولين العراقيين وتوجسّوا تغيير فرنسا لسياستها الخارجية وتوجيهها "أطلسياً" تقرّباً لأمريكا من قبل فاليري جيسكار ديستان.
ففي بداية السنة، إختار كيرينكو(Guiringaud) وزير خارجية فرنسا الجديد سوريا كأوّل محطّة للزيارة وليس العراق. وكانت العلاقات العراقية السورية خلال هذه الفترة في أسوأ الأحوال.
أنزعج العراقيّون من تقرّب الوزير الفرنسي لسوريا ومن زيارته الرسمية إلى إسرائيل.
فطمأن ريمون بار صدّام حسين وأبعد قلقه. وفي 7 تمّوز 1977 تم الإعلان عن نيّة العراق في شراء إسلحة فرنسية بقيمة 7 مليار فرنك فرنسي من بينها بالأخص 72 طائرة ميراج F1 (تم التوقيع مباشرةً على شراء 36 طائرة ميراج) مجهّزة بصواريخ ماجيك(Magic) وطائرات هيليوكوبتر بوما(Puma) ومدرّعات (AMX) وشراء منظومة للتغطية الجوية بقيمة ( مليار فرنك كمرحلة أوّلية) من تومسون(Thomson).
تعدّدت زيارات عدنان خيرالله لباريس للتفاوض على هذه العقود. ولكن المفاوضون الحقيقيون كان في الواقع عدنان حسين وعسكريون أقل شهرة كالجنرال شنشل رئيس أركان الجيش العراقي والجنرال حبيب شعبان التكريتي رئيس أركان السلاح الجوي والعقيد قحطان العزّاوي الذي طالب، وفقاً لبعض المصادر، بعمولة 30 بالمئة من قيمة عقد طائرات الميراج F1.
وصل إيفون بورج(Yvon Bourges) بغداد في شهر حزيران من عام 1978 في زيارة رسمية (حزيران 22 – 25) وفي نهاية إقامته صرّح:" لم تسجّل زيارتي توقيعاً على عقود جديدة وإنّما سمحت لي بتحديد حاجة الجيش العراقي وتقديم المقترحات."
فإذاً خلافاً للتوقّعات لم تؤثر مغادرة شيراك لرئأسة الحكومة على العلاقات بين الدولتين لأنّ ريمون بار نجح بدوره واستوعب كيف يرتّب ويمدّ علاقاتاً شخصية ممتازة مع نائب الرئيس العراقي.
أعرب ريمون بار، رئيس الوزراء الفرنسي، الذي كان لوقت طويل أُستاذاً في كلية الحقوق لدبلوماسي فرنسي عن حبّه في صدّام "شغفه للمعرفة" وإعجابه "بنجاحاته".
لم يكن ريمون بار في بداية تعارفهما إلاّ وزيراً للتجارة الخارجية والآن حينما يجلس بوضعيته المفضّلة مشابكاً يديه على فخذيه يتحدّث إلى صدّام حسين كرئيس للحكومة ويعرب له عن سعادته بالإجابة على تساؤلاته حول علاقات الشرق والغرب والسياسة النفطية...إلخ
وفي تموز 1979 حينما أصبح صدّام حسين رئيساً للجمهورية غمرته الفرحة على نجاح "تلميذه".
إرتجّت العلاقات الفرنسية العراقية في 31 تموز1978 إثر حادثة خطيرة: بعد عملية حجز رهائن داخل السفارة العراقية في باريس أطلق رجال أمن السفارة النار على...الشرطة الفرنسية فقتلوا واحداً منهم.
مرّت عدّة شهور قبل أن يحاول صدّام حسين "تهدئة الأُمور" فوجّه في تشرين الأوّل 1978دعوة لأربعين صحفياً فرنسياً إلى العراق وأعلن لهم: " ينبغي أن تكون علاقاتنا مع فرنسا ممتازة وبشكل آخر" وحذّرهم قائلاً:" يجب على فرنسا تمويلنا بمستوى معقول من السلاح وإذا رفضت تلبية حاجاتنا ووضعت القيود (الفيتو) سنقوم بمراجعة موقفنا."
بعد أيّام قليلة من هذا اللقاء، يظهر أنّ فرنسا ردّت على طلبه من خلال إعلان بيعها للعراق صواريخ جو- بحر AM-39 مركّبة على طائرات هيليوكوبتر ثقيلة سوبر فريلون(Super- Frelon).
في العام التالي، أي في 1979، تعدّدت وتنوّعت زيارات الوفود الفرنسية للعراق بحيث علّقت الصحافة، " أعضاء الحكومة يعرفون طريق بغداد"
زار جان فرانسوا دونيو(Jean François Deniau ) الذي أصبح وزيراً للتجارة الخارجية محل ريمون بار العراق مرّتين .الأُولى في شباط 1979 (17-20 ) والثانية في 7 تشرين الأوّل 1979 كما سافر إليه فوشييه(Fouchier) سكرتير الدولة للزراعة في نيسان من نفس العام وأخيراً قام ريمون بار، رئيس الحكومة، "بزيارة عمل" لبغداد (7-9 تموز) 1979.وفي الجانب الآخر لم يتوقّف ذهاب وإيّاب الوزراء العراقيين إلى فرنسا،
ففي كانون الثاني 1979 وصل طه محي الدين معروف، نائب رئيس الجمهورية، إلى باريس بمرافقة وفد كبير بينهم على الأخصّ حسن علي وزير التجارة الخارجية وسعدون حمّادي وزير العلاقات الخارجية وسعد قاسم حمّودي وزير الإعلام ولطيف نصيّف جاسم وزير الزراعة.
وفي ايّار 1979 وصل فرنسا عدنان خيرالله وزير الدفاع تلبية لدعوة زميله الفرنسي إيفون بورج.
رغم تعدّد الزيارات التي أكّدت عمق العلاقات الثنائية ورغم نجاح فرنسا في القطّاع العسكري فأنّها لم تفلح في وضع حد لإنحسار الساحة أمام شركاتها في القطّاع المدني- بإستثناء العقد الكبير الموقّع في أواسط أيّار 1979 بقيمة 3.7 مليار فرنك فرنسي لبناء مطار جديد في بغداد-
ففي عام 1978 لم تحتل فرنسا إلاّ المرتبة الثالثة في العراق 540 مليون دولار بعد اليابان في المرتبة الأُولى 1 مليار دولار وألمانيا الغربية في المرتبة الثانية 800 مليون دولار. فالعلاقات السياسية التفضيلية لفرنسا وكونها المشترية الأُولى لنفط الخام العراقي لم يعطيها إمتيازاً في المناقصات.
لم يسمح لها العامل السياسي بالتقدّم على الآخرين بأكثر من 3-4 بالمئة في أفضل الأحوال.
أصبحت فرنسا المشترية الأُولى لنفط الخام العراقي( 20 مليون طن في 1978 و 25 مليون طن في 1979) وتلقّت من العراق تطمينات وضمانات قاطعة بالإستمرارية.
" لا ننسى أبداً موقفكم الإيجابي تجاهنا في اللحظات الصعبة من تاريخنا، صرّح صدّام حسين لريمون بار، كنتم الوحيدون من بين القوى الغربية التي اعترفت بشرعية قرارنا لتأميم الشركات النفطية قبل سنوات" وبعد التأكيد والضمان لريمون بار على "الإستمرارية" في تموين فرنسا بالنفط العراقي أضاف صدّام حسين:
"كلّما إعترضتكم مشكلة بهذا الخصوص سنقوم بمساعدتكم في حلّها."
كان لهذا الضمان أهميته الخاصّة لأنّ التموين من نفط الخام الإيراني كان قد تراجع من 16 مليون طن في 1975 إلى 6 ملايين في 1979.
تعدّدت العلاقات على الصعيد السياسي وأثمرت فخلال لقائه مع صدّام حسين تحدّث ريمون بار بالتسلسل عن علاقات الشرق والغرب ومفاوضات سالت(SALT) وقمّة طوكيو ومشاكل الطاقة وموقف فرنسا من القضية الفلسطينية ...إلخ وإقتنع المسؤولان بضرورة تنشيط الحوار الأوروبي-العربي.
أمّا على الصعيد العسكري فالعام 1979 يتميّز عن غيرها من السنوات بتصاعد رغبة صدّام حسين-الذي أصبح رئيساً للجمهورية- في " كسر الإحتكار السوفييتي في مجال التسليح" وفي مواجهة المسؤوليات الجديدة في الخليج (الفارسي) بعد سقوط شاه إيران.
كما دخل العراق خلال هذه السنة في مفاوضات مع فرنسا لشراء معدّات عسكرية بحرية هائلة وعلى الأخصّ صواريخ أرض-أرض وطائرات هيليكوبتر ورادارات وسفن حربية وطلب تدريب 1200 كادر فنّي. وتحقيق كل هذا سيكلّف العراق بين 6-10 مليار فرنك.
وأخيراً، خلال شهر كانون الأوّل 1979 إشترى العراق نقداً(كاش) نوعاً جديداً من طائرات ميراج F1 (وتمنّى تبديل 36 طائرة من التي تمّ إفتراض شرائها في تموز 1977 بطائرات ميراج 2000 لاحقاً).
كما يتّضح، إتجّه سير العلاقات الفرنسية – العراقية نحو تبادل السلاح مقابل النفط.
في هذا التاريخ كان أحد دبلوماسيي الخارجية الفرنسية، المكلّف بمراقبة العلاقات الفرنسية العراقية، يؤكّد بأنّ ما يجرى لا يستند على إعتبارات "تجارية بحتة" ولكن يعترف احد زملائه، بصراحة أكثر"لو إنقطع سيلان النفط العراقي نحو فرنسا سيسقط فاليري جيسكار ديستان في الإنتخابات الرئاسية لعام 1981" حتماّ والغريب في أقواله أنّها كانت تتطابق مع تصريح عدنان القصّاب، الرئيس السابق لشركة النفط الوطنية العراقية في الأوّل من حزيران 1972 يوم التأميم بجزائر العاصمة: " للنفط العراقي قيمة إستراتيجية لفرنسا".
سقط فاليري جيسكار ديستان في إنتخابات 1981 رغم عدم إنقطاع جريان النفط نحو فرنسا. |