مما لا تقف عنده اللحظات العابرة هو تحويل المرأة إلى قضية، والرجل إلى قضية أخرى، وتمت اختراعات كثيرة ذات أهداف غير سامية بل عبثية تطيح بحال كلا الجنسين، ومما لا تقف عنده أيضا، تلك الأفكار والمعتقدات والواقع حول الثوب المهترئ الذي ما زالت ترتديه المرأة وإن كان عهد الخيمة السوداء قد ولّى، ولكن ما تحتها قد يتجاوز مسألة الفكر المستضعف والانسياق وراء كلمة حاضر ونعم، دون أي حق في إبداء الرأي، أما الثوب الذي يرتديه الرجل فهو يناسب مقاساته ويناسبه بشكل كبير، يتمسك به ويحافظ عليه لكثرة الامتيازات التي قد يحصل عليها نتيجة لذلك ولو حاولت بعض الخيوط التنصل فإنه يردها إلى أصلها ويرقع مكانها وينطلق في كل ذلك من حاجته لإثبات فعالية موروث قوالب الرجولة وحقه الأزلي المصطنع والمجبول بجهود المجتمع المحيط به ليكون " سي السيّد " .
ولو حاولنا تقصي الحقائق المتعلقة بكينونة الرجل وتفكيره لوجدناه دائم البحث عن سلطة جديدة، ومنصب جديد ومن مواقع مختلفة . وهو أبدا لن يفاضل بين رجولته وإنسانيته على اعتبار أن عقله هو ما يتحكم به وليس عاطفته، ومن ثم فهو مسير بأفعال رجولية وليست إنسانية، ويعتد بكل أمر يثبت وضعه ومركزه كرجل، ولست أبغض رجلا أكثر من ذلك الذي يرفض الاعتراف بانعدام قدرته على الإخصاب ويتهم زوجته بأنها عاقر وكأنما إرادة الله جريمة أو عيب، أو حتى عجزه الجنسي لأنه بطبيعته دائم التفاخر بفحولته والدليل على ذلك أنه حتى لو بلغ السبعين من عمره فرغبته بالزواج من أخرى تبقى قائمة، والغريب أحيانا نجده يرغب التمثل في دور امرأة، فذاك الشاعر يعبر عن رغبته في الاستئثار بحالة الإنجاب فيقول : (من قصيدتي وشعري ألد الكلمات) وكأنه في حالة إنتاج، وكل في موقعه يعبر عن إبداعه على أنه طفل يخرج من رحم أفكاره، والشاعر ليس سوى مثال، فهناك المخترع، والطبيب والمحامي ... الخ . ولكن المرأة وحدها تنفرد بميزة التجدد والتكرار والإبداع الحقيقي من رحم حي وليس من رحم وحي الأفكار، إلا أنه ولحكمة يريدها الله تحرم بعض النساء من هذه الميزة، فينظر الناس للمرأة العاقر بعين الشفقة، ويردّون عجزها عن الإنجاب لأسباب ناشئة عن إرادتها وكأنهم يحملونها مسؤولية مشيئة الله، هذه الأفكار السلبية تولدت نتيجة للثقافة المجتمعية السائدة المغلقة مما خلق لدى المرأة حالة " الفوبيا " حيث يتوجب عليها التصرف بناء على التوقعات التي يرسمها المجتمع لها منذ ولادتها، فهي تختص بأداء ثلاثة أدوار أساسية محددة اجتماعيا تتمثل في الدور الإنجابي، والإنتاجي والمجتمعي، وذلك على اعتبار أن عملية حمل المرأة وإرضاعها للطفل تمثل الدور الأول وكأنها تنفرد به دون مشاركة الرجل لاستمرار الحياة وإنتاج القوة العاملة، ولذا اقتنعوا فيما بعد بدورهم في هذه المرحلة، أما المراحل الأخرى في هذا الدور فهي عبء يقع على المرأة وحدها وهنا تنفرد بممارستها، فهي التي ترضع وتربي وترعى وتعتني، أما هو يقع عليه عبء البحث عن الرزق والإنفاق على أسرته، ولكن لا نستطيع أن ننسى أن الدور الإنتاجي للمرأة مهم حتى لو كان على المستوى المنزلي وهو يعد امتدادا للدور الإنجابي، بحيث تمارس المرأة أعمالا بالإضافة لكونها ربة بيت مثل التعليم، والعمل في الزراعة، والتمريض، وبقيت هذه المهن أكثرها ملائمة للمرأة، فقط لكونها امرأة ولذلك فهي تسعى لتعويض حاجاتها المنتقصة بممارسة الدور الثالث لأنه مقبول اجتماعيا مرتبط بطبيعتها ولأنه إنساني يهدف لخدمة المجتمع وتنفيذ الأعمال التطوعية والخيرية خارج أوقات فراغها وأقصد هنا بأوقات الفراغ تلك التي تأتي بعد انتهائها من واجباتها اتجاه دورها الأول، وهذا الدور لا يستطيع الرجل القيام به لأنه لا يخاطب عقله بل يخاطب إنسانية المرأة .
أما الأدوار التي حددها المجتمع للرجل فهي منطلقة وبلا حدود، تلبي احتياجاته ورغباته دون حاجة للتعويض من خلال أدوار أخرى، وكأنها مهام، ومن هنا يمكن أن نطلق على هذه الأدوار مفهوم أدوار النوع الاجتماعي، والنوع الاجتماعي يتناول العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع حيث تتأثر علاقتهما بعوامل اجتماعية، وثقافية، واقتصادية، وسياسية . وهذه العلاقة يرسمها المجتمع ضمن توقعات يخططها لكل منهما يتصرفان بناء عليها بحيث تصبح أمر واقع يستفيد منها الطرف الأقوى صاحب المصلحة في هذه المعادلة ألا وهو الرجل والذي يقاوم أي تغيير قد يمس بمصالحه والدور الجيد المقبول تماما لديه.
وما يمكننا قوله هنا أن القوالب المخصصة لكلا الجنسين هي نتيجة تنميط أدوار كل منهما بتأثير من العادات والأعراف والتقاليد والمعتقدات التي اقتحمت بيت كل أسرة ثم انتشرت لتقتحم المجتمع بأكمله ومن ثم لا يمكن للمرأة أن تبرز من خلال الأدوار التي احتكرها الرجل مثل تولي المناصب القيادية لأنها جاءت حصرا على مخلوق يدعى الرجل، رغم المساعي النسوية الضيقة لاقتحام المحميات الخاصة ببدائيته