إخوتي الاحبة : هذه الوصية الأولى أقدمه لكم راجيه أن تنالوا منها الفائدة ، وهي الوصية الأهم والأطول فإن كنت في عجالة من أمرك فإحفظها حتى تقراها بتأني في وقت فراغك ، وإن كنت تملك الوقت الكافي الان أغلق النت وإبدأ بقرائتها على بركة الله فهي طويلة بعض الشيءلأني أنقل لكم الرسالة كاملة دون أن أنقص حرف واحدة ، فكل حرف فيه الخير والفائدة والعبرة إن شاء الله .
نبدأ بسم الله الر حمن الرحيم
في مساء ليلة شاتية .. رن جرس الهاتف ..
رفعت السماعة فإذا هو عبد الله ..
نعم ..عبد الله .. قد تخرج من الكلية في العام الماضي ، وانقطعت العلاقة بيننا منذ ذلك الحين ..
ما إن سمعت صوته ، حتى استعادت ذاكرتي ذاك الوجه البهيّ و الجسم الممتلئ شباباً ..
- حياك الله يا عبد الله - مرحبا .. كيف حالك .. ما أخبارك .. ما ..
قاطعني بصوت ضعيف : تذكرتني يا شيخ ؟؟
نعم .. وكيف أنساك
لم يتفاعل مع عباراتي ، ولم يبد منه تجاوب ، لكنه قال بصوت ضعيف ، أريدك أن تزورني في البيت .. ضروري .. هاه ! .. أنا لا أستطيع زيارتك .. لا تسألني لماذا !! إذا جئتني عرفت السبب !!
قال هذه العبارات بصوت خافت حزين .. لكنه بنبرة جادة .. وصف لي طريق منزله .. طرقت الباب .. فتح لي أخوه الصغير ..
أين عبد الله ؟؟
عبد الله في المجلس .. تفضل ..
مشى الصغير أمامي وفتح باب المجلس ، فلما دخلت المجلس دهشت .. ماذا أرى !!! عبد الله على سرير أبيض .. بجانبه عكاز .. وجهاز يلبس في الرّجل لأجل المشي .. ومجموعة من الأدوية .. أما هو فجسد ملقى على السرير ..
قال لي مرحباً وقد حاول جاهداً أن يقف على قدميه للسلام ..
حياك الله يا شيخ حيالك الله .. كلفناك وأتعبناك ..
لا ..لم تتعبني في شيء .. عفواً لم أعلم بمرضك من قبل .. ولكن ماذا أصابك ؟؟ ألم تتخرج من الكلية ؟؟ ألم تكن تحدثني أنك سوف تتزوج ، وسوف .. وسوف ..
نعم ، ولكن حدث ما لم يكن في حسباني ..
تخرجت من الكلية قبل أشهر معدودة كما تعلم ، وأصابني ما يصيب الشباب عادة من الزهو و الفرح بالتخرج .. وبدأت مشوار الحياة الجديدة .. فتحت كتاب مستقبلي المزهر ورحت استمتع بتقليب صفحاته وأحلم بأيامه السعيدة ..
ومضت الأيام السعيدة سريعة .. لا يكدر صفوها إلا صداع بسيط كان ينتابني في بعض الأوقات .. ومع مضي الأيام بدأ هذا الصداع يزداد شدة وألماً .. لكن الأدوية المسكنة كانت كافية بالقضاء عليه .. ومضت الأيام على هذا الحال وقد تعوّد رأسي على هذا الصداع حتى صرت أنساه في كثير من الأحيان مع شدته وألمه .
لكن شدة هذا الصداع بدأت تزداد وتزداد .. وبدأ يصاحب ذلك ضعف في النظر .. حتى اشتدّ ذلك في احد الليالي .. فذهبت إلى قسم الطوارئ في أحد المستشفيات .. شاكياً مما أصابني من صداع وضعف في النظر .. فلما قابلني الطبيب المختص عمل لي التحاليل و الأشعة اللازمة ، ثم قال لي : نحتاج إلى إجراء أشعة مقطعية دقيقة لرأسك ، وهذا غير متوفر حالياً في المستشفى ..اذهب إلى مستوصف خاص واعمل هذه الاشعة ثم ارجع إليّ بها .. وحاول أن يكون ذلك سريعاً !..
خرجت يتملكني الوجل تارة .. والاستغراب تارة أخرى .. هذا الطبيب ! لماذا يتعبني هكذا ؟ كان الأحرى أن يعطيني مسكناً للصداع .. أو قطرة للعين .. وينتهي الأمر .. وجعلت أشاور نفسي : هل أهمل الطبيب وأشعته .. واشتري دواء بخمسة ريالات يسكن هذا الصداع واذهب للبيت وأنام ؟؟ أم أعمل الأشعة التي طلبها وأنظر على ماذا ينتهي الأمر ..لكني مع هذه الخواطر ذهبت إلى المستوصف و أجريت الأشعة .. ثم رجعت إلى الطبيب ، أحمل بين يدي اوراقاً لا أفهم شيئاً من رموزها ..
تفضل يا دكتور .. هذه الأشعة التي طلبت
لبس الطبيب نظارة سميكة على عينيه .. أخذ يقلب الأوراق بين يديه .. تغير وجهه .. وسمعته يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله .. ثم رفع بصره إليّ وقال :
استرح .. إجلس ..
بشر يا دكتور .. خيراً إن شاء الله ؟
خيراً .. إن شاء الله .. خيراً ..
وظل صامتاً ، لا يرفع بصره إليّ !! ثم رفع سماعة الهاتف ، وبدأ بالإتصال على مجموعة من كبار الأطباء يطلب حضورهم !! ما هي إلا دقائق حتى اجتمع عنده ستة أو سبعة منهم .. بدؤوا جميعاً يقلبون نتائج التحليل .. ويتأملون صور الأشعة .. ويتحدثون باللغة الإنجليزية ، ويسارقونني النظر ..
مضت قرابة ساعة على هذا الحال .. وأنا على حال لا أحسد عليه ..
بدأ يمرّ في عقلي شريط ذكرياتي .. أخذت استعرض شريط ذكرياتي ..أخذت استعرض سجل حياتي .. بل مستقبلي ..ترى ما بالهم يتناقشون ؟؟ ما بال الطبيب اهتم كل هذا الإهتمام .. ثم رحت اطمئن نفسي وأقول لها : هؤلاء الاطباء يكبرون المسائل دائماً .. كل منهم يريد أن يستعرض قواه .. تحاليل .. ! أشعة ..!! اجتماعات ..!! والمسألة حلها سهل ، حبة أو حبتان من ال ( بندول ) مع قطرة للعين ، وينتهي كل شيء !! ظللت أنظر إلى الأطباء محاولاً أن أفهم شيئاً مما يقولون ، ولكني مع تركيزي الشديد لم أفهم كلمة واحدة ، بدأت نقاشاتهم تهدأ وتهدأ .. ثم خيم الصمت عليهم ..
خرج أحدهم من العيادة وتبعه آخر .. فثالث .. حتى لم يبقإلا اثنان ..
قال لي أحدهما :
اسمع يا عبد الله ! أنت أكبر من أن نقول لك أحضر والدك !!
خير غن شاء الله يا دكتور .. ماذا تقصد ؟؟!!
فقال بأسلوب حازم :
التقارير و الأشعة تدل ! على وجود ورم في رأسك ، حجمه يزداد بسرعة مخيفة ، وهو الأن يضغط على عروق العين من الداخل ، وفي أي لحظة يمكن أن يزداد هذا الضغط .. فتنفجر عروق العين من الداخل .. فتصاب بالعمى ..
ثم تصاب بنزيف داخلي في الدماغ ثم تموت !!!
ثم سكت الطبيب .. نعم سكت .. لكن كلمته الأخيرة بدأت تتردد في أذني .. تموت .. تموت .. يا للهول .. ما أقسى هذه الكلمة .. ما أشد وقعها على النفس .. أموت .. نعم أموت .. ولكن شبابي .. رواتبي .. وظيفتي .. أمي .. أبي .. أموت !!!
صحت بأعلى صوتي ..
يا دكتور !! ماذا ؟؟ كيف ؟؟ ورم ؟؟ كيف ورم ؟؟ متى ظهر عندي ؟؟ ما سببه ؟؟ وأنا في هذا السن ؟؟ أعوذ بالله ؟؟ ورم ؟؟ سرطان ؟؟لا حول ولا قوة إلا بالله
نعم ، ورم .. ولا بد من علاجه بسرعة ، كل دقيقة .. بل كل ثانية تمرّ.. ليست في صالحك .. الليلة ندخلك المستشفى ونكمل التحليلات اللازمة ، وفي الصباح إن شاء الله نفتح رأسك ونخرج الورم ..
قال الطبيب هذه الكلمات بكل حزم .. وبرود ..
قالها وهو يمسح نظارته ويقلب نظره في أوراق بين يديه ..
أما أنا فلم أكن استمع إليه بأذني فقط بل أظن أن جسدي كله قد تحول في تلك الساعة إلى أذن تسمع وتعي ..استمر الطبيب في كلامه ..
اصبر .. واحتسب ..لست الوحيد الذي تجرى له مثل هذه العملية .. أناس كثيرون أجريت لهم وشفوا بإذن الله .. وأنت شاب مؤمن وعاقل ، لا يحتاج مثلك إلى تصبير وتثبيت واصل الطبيب كلامه وهو ينظر إليّ .. أما أنا .. فقد كانت عيناي جاحظتين في عينيه .. نعم كنت أنظر إليه بتركيز شديد ..أما كلامه : فقد اختلطت عبارته الأخيرة بعبارته الاولى .. ولم يثبت في ذاكرتي من كلامه إلا : ورم .. سرطان .. عملية ..
ماذا لو كتب الله عليّ الموت أثناء العملية؟.. ماذا ستفعل أمي؟.. أبي الذي جاوز السبعين؟.. إخواني ؟.. أخواتي الصغار؟..
بل كيف سأدخل القبر وحدي؟.. كيف سأمرّ على الصراط؟.. كيف؟ وكيف؟ أين تخطيطاتي.. وشهاداتي.. الزواج.. الوظيفة الجديدة.. كيف يحصل هذا فجأة.. أسئلة كثيرة تتردد في داخلي.. جعلتني أسبح في بحر من الأفكار لا ساحل له..
أخذت أصرخ في داخلي : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله.. يا ليتني قدمت لحياتي الآخرة..
كل المتع التي كنت أجمعها.. والمراكز التي كنت أسعى لها.. تذهب فجأة.. هكذا بدون مقدمات ..
ما أقصر هذه الحياة.. والله ما كنت إلا في غرور..كيف كنت أتتبّع الشهوات.. وأواقع اللذات.. وجهنم قد سعرت.. والأغلال قد نصبت.. والزبانية قد أعدت؟!
تباً لهذه الدنيا.. إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً.. وإن أفرحت أياماً أحزنت أعواماً.. وإن متعت
قليلاً أشقت طويلاً..
..وأخذت أعاتب نفسي الخاطئة أشدّ المعاتبة
رحماك يا ربّ.. رحماك يا ربّ.. ما أطول حزني غدا..آه
هذه أوراق العملية! وقع عليها، حتى نحجز لك سريراً..
وننهي إجراءات إدخالك إلى المستشفى!!
بقيت واجماً أنظر إليه ، فقال :
خذ ! ما بالك ؟؟.. خذ ..
لا ..لن أوقع على شيء !
كيف؟ لن توقع!!مجنون أنت؟المصلحة لك وليست لنا..والمضرة عليك لا علينا..لا تظن أننا فارغون نبحث عن رأس نتسلى بإجراء عملية فيه !!
الأمر هام .. وخطير ..
لا .. لن أوقع على شيء ..
عموماً لا نستطيع إلزامك .. ولكن وقع على هذه الورقة حتى نخلي مسؤوليتنا منك لو حدث لك نزيف مفاجئ .. أخذت الورقة فإذا فيها :
أقرّ أنا الموقع أدناه أني خرجت بطوع إرادتي وإختياري من مستشفى .. إلخ ..
وقعت الورقة وانصرفت ..
ولكن أين أذهب ؟! إلى البيت وأخبر أمي وأبي ؟.. أم أرجع إلى المستشفى ؟..أم أذهب إلى مستشفى آخر ..لا حول ولا قوة إلا بالله ..
بعد تفكير سريع قررت أن أذهب إلى مستشفى آخر ..
وفي قسم الطوارئ : السلام عليكم ..
يا دكتور أنا أشكو من صداع في الرأس يصاحبه ضعف في النظر وبعد الكشف السريع وعمل الأشعة اللازمة .. قال الطبيب :
نحتاج إلى أشعة مقطعية دقيقة لرأسك ، وهذا غير متوفر حالياً في المستشفى .. اذهب إلى مستوصف خاص واعمل هذه الأشعة ..ثم ارجع إلي
بها .. وحاول أن يكون ذلك سريعاً !
قالها الطبيب ثم سكت ..
نزلت إلى السيارة وأخذت أوراق الأشعة ثم صعدت بها إليه ..
عجباً!! كيف جئت بهذه السرعة !! .. لماذا لم تعمل الأشعة ؟! ..
لقد عملتها قبل أن أتيك .. وها هي بين يديك ..
أخذ الطبيب يفكك رموز هذه الأوراق ..
أما أنا فقد جلست على الكرسي لا تكاد تحملني قدماي ..
لكني كنت أكثر ثباتاً من المرة الأولى ..
ذكرت الله تعالى .. سبحان الله .. والحمد لله .. ولا إله إلا الله .. والله أكبر .. استغفر الله .. استغفر الله .. تذكرت وصيته " صلى الله عليه وسلم " لابن عمه عبد الله بن عباس : واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطأك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن مع العسر يسرا ..
هان الأمر عليّ .. واطمأنت نفسي ..
ماذا سيحدث ؟! ورم ! لست الأول ولا أظنني الأخير ..
أمي .. أبي .. إخوتي .. سيبكون يوماً أو يومين .. ثم ينسون ..
فجأة رفع الطبيب سماعة الهاتف واستدعى مجموعة من كبار الأطباء إلى عيادته .. جاءوا.. نظروا في الأوراق .. تحدثوا طويلاً ..
كنت أنتظر خبراً مفزعاً .. لكني لم أضطرب كثيراً ..علقت أمري بالله ..بدأت الأوهام تعود إلي .. لماذا أنا بالذات اصاب بالمرض الخبيث ؟ الناس كثيرون ..
ثم صرخت بنفسي : أعوذ بالله ولماذا أجزم بذلك !! لعل ذاك الطبيب قد أخطأ ..صداع عارض وينتهي الأمر ..
طالت فترة الإنتظار .. فالتفت إلى الطبيب .. وسألته : هاه .. بشر .. ما الخبر ؟!
ردّ بنبره حازمه : انتظر قليلاً .. اصبر ..
ثم تركني في دوامتي ومضى يتلمظ بلغة أعجمية مع زملائه ..
لم تمض ساعه حتى إنتهوا من نقاشاتهم ثم خرج الأول فالثاني فالثالث ..
إلتفت إلي الطبيب ثم قال : اسمع يا عبد الله !..
أنت شاب مؤمن وكل شيء بقضاء الله تعالى وقدره ..التقارير والأشعة تدل ! على وجود ورم في رأسك ، حجمه يزداد بسرعه مخيفة ، وهو الأن يضغط على عروق العين من الداخل وفي أي لحظه قد يزداد هذا الضغط .. فتنفجر عروق العين من الداخل .. فتصاب بالعمى .. ثم تصاب بنزيف داخلي في الدماغ .. ثم تموت !!..
لذا لا بد أن تدخل الأن إلى المستشفى .. والليلة تدخل غرفة العمليات .. ونزيل جزء من عظم الجمجمة ثم نخرج الورم ..وبعد ذلك نعيد العظم مرة أخرى ..
ثم سكت الطبيب ..أما أنا فقد كانت الصدمة عليّ أهون من الأولى .. تقبلت الخبر بهدوء تعجب منه الطبيب ثم رفعت سماعة الهاتف واتصلت بوالدي ..
جاء والدي .. شيخ كبير تجاوز السبعين من العمر ..أحضره السائق .. فنظره الكليل لا يساعده على القيادة .. كم تعب واجتهد في التربية والعناية .. جزاه الله خيراً ..
لما رأني أبي فزع من وجوم وجهي واصفرار عيني .. وقال وهو واقف :
ما الذي جاء بك إلى هنا .. ولماذا جئت .. و..
قلت له .. يا أبي .. تعلم أني أشكو من صداع دائم وقد ذهبت إلى مستشفى .. وعملوا لي الفحوصات .. ثم جئت إلى هذا المستشفى .. وبعد الفحوصات أخبروني أن عندي ورم في الرأس ولا بد من إجراء عملية عاجلة في الرأس ..
سمع أبي هذه الكلمات فكان أقل تحملاً منيّ ..صاح بي :
ورم .. ورم.. لا حول ولا قوة إلا بالله .. ثم جلس على الأرض .. وهو يردد :
إنا لله وإنا إليه راجعون ..
إذاً نرسلك لتعالج مع أخيك في أمريكا ..لا حول ولا قوة إلا بالله ..قال هذه الكلمات وهو يتذكر معاناته منذ سنة كاملة مع أخي الأكبر عبد الرحمن الذي يعالج في أمريكا من مرض السرطان ..
كم رأيت أبي يبكي في الهاتف وهو يكلمه ..
كم كان يدعو له آخر الليل .. وفي الصلوات .. كان حزن أبي عليه ظاهراً .. خاصة إذا رأى أولاد عبد الرحمن الصغار يسألون عن أبيهم : جدي أين بابا ..
لماذا ما عندنا أب مثل بقية الأولاد ..