في المسجد ..
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم ..
المؤمن بجملته الى الجنّة باذن الله .. شقّه الأيمن وشقّه الأيسر .. فأهل اليمين في الجنّة بإذن الله .. وأهل الشمال بجملتهم إلى جهنمّ ويئس المصير . فالكافر بشقيه الأيمن والأيسر إلى جهنم ..
" تقول عائشة رضي الله عنها : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمّن مااستطاع في شانه كله ، في طهوره وترّجله وتنعلّله " بخاري 408
وأنت عندما تدخل المسجد ، فانك تدخل الى مكان بكل كتلته يمينه ويساره أمامه ومؤخره هو لأهل اليمين ( ماكان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) صحيح أنك تحاول مااستطعت الجلوس في ميمنة المسجد التزاما بسنّة الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولكن قد تتحكم بك في بعض الأحيان حالات نفسية أو زمانية أو مكانية تجعلك ترتاح للجلوس في المسجد في مكان ما دون سواه الى أن تعتاد على مكانك وتتآلف معه .. وقد يكون ارتياحك في مسجد ما في جهته اليمنى وفي مسجد آخر في جهته اليسرى ، المهم يدخل ذلك تحت عنوان (مااستطعت ) والله أعلم .. وبشكل عام فانك في المسجد الذي تعتاده أكثر من غيره في كل الفرائض ، فانك تحب الجلوس في نفس مكانك ، الأمر الذي يولد لديك شعورا بسيطا من حق التملك لهذا الموضع ولو أن الظرف حتم عليك تغييره الى الجهة المقابلة لسوف تشعر أنك ذهبت الى حارة أخرى في الوهلة الأولى ، لكنك لن تلبث أن تحس بوجودك بين أخوتك المسلمين ..
أيضا عندما تنتهي من أداء السنّة القبلية ثم تأوي بجسدك الى احدى الجهات مسندا ظهرك ممسكا بسبحة في يدك تذكر ربك وتصلي على حبيبه منتظرا الاقامة فانك تتأمل في كل مايجول به بصرك ، هذا قادم من الموضأ وهذا يرتفع من ركوعه وهذا منهمك في سجود طويل وآخرون مثلك أسندوا ظهورهم الى حائط الجهة المقابلة يتأملون كما تتأمل أو يقرأون القرآن الكريم أو يذكرون المولى عز وجل .. وهؤلاء .. في الوهلة الأولى تحس أنهم عناصر الجهة المقابلة ، لهم خصوصية مكانهم وخصوصية اعتيادهم ومثلك لايحبون أن يبدلوا أماكنهم ويشعرون بنفس شعورك وهو أنهم لايفضلون المجيء الى جهتك ... فتشعر أنهم ( أنداد ) قبل أن تسري في ذاتك معاني ( على سرر متقابلين ) ، نعم انك ما إن تسترسل في هذا الشعور لاتلبث أن تسيطر عليه قسرا بشعور آخر هو الأصح والأبقى .. شعور تتكلفه ليجعلك تحس بأنهم أخوتك فتذهب متخطيا تعوّدك الذي ربطك بالمكان لتصلي بينهم عندما يبدأ الإمام بإقامة الفرض .. عندما تنتهي تحس بشعور غريب .. له علاقة بموقف واضح من النفس التي لاتأمر الابسوء .. حتى في المسجد تحاول تلك النفس تزيين الفرقة والتباعد والتحاسد والتخاصم والانكفاء ، تحاول ( قبل أن تكتشف خباياها ) أن تصور لك أن أي فعل لأخيك في المسجد هو فعل منكر ، فهذا يفتح النافذة ويتدخل في تحويل شفرات المبرد نحو الأعلى انه يريد أن يزعج الآخرين بتصرفه .. ، وهذا يركع نصف ركوع ، يالصلاته !!، وهذا ينقر في سجوده ، لولم يصلي لكان أفضل له !! ... انك ترى هذا بعين المنتقد الذي لن يرى بعين الرحيم فيفسر برحمة هذه الصور .. فقبل أن تعود الى رشدك وتقول لعل هذا يؤلمه ظهره ، وهذا يخاف الضغط الشرياني على عيونه ، وهذا هكذا مبلغه من العلم ويجب تعليمه بموعظة حسنة .. سوف تدرك أن النفس الخبيثة هي من بدأ شدك الى مكانك الذي تعودت عليه في المسجد انتهاء بملاحظاتك على تصرفات أخوتك ..
كم يصادف وقوف أحدنا بجوار أخ عامل تفوح منه رائحة لاتليق ببيت الله ، هنا يجب أن نحمد الله أن اختارنا له فنحتمل منه وضعه كله ، يحدث هذا معي كثيرا فأقول لنفسي : المهم أنه يصلي ، ووجوده خير فيما لو رايته في مكان عمله ولم يحضر الى الصلاة لربما نظرت اليه بريب وحنق .. ربما وقوفه بجواري خير من وقوفه بجوار رجل قد لايحتمله فيبدر بين الأخوة مالا يجب أن يكون في بيت الله ..
المسجد ياأخوتي يؤسس لكثير من القضايا الأخلاقية التي تجعلك تفد الى المجتمع وقد تدربت على سمو الأخلاق والتماس الأعذار للبشر ، لأنك تستطيع أن تكون داخل المسجد في تعامل قسري مع نفسك الأمارة بالسوء ، ألأمر الذي يسهل لك تطويعها لخارج المسجد فتتحلى بحسن التعامل مع كل البشر ، فتكون بذلك من دعاة الخير بالحكمة والموعظة الحسنة كما أمر ربك وامر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، هذا والله أعلم والحمد لله رب العالمين ..