| بسم الله الرحمن الرحيم
علي كثرة ما انتابني من الشكوك طوال حياتي, لم يداخلني الشك في أنني سأموت وأقوم من
الموت تماما مثلما أنام وأستيقظ من النوم.. الفرق الوحيد بين الاستيقاظ هنا وهناك أنني أشرب كوبا من القهوة
حين أستيقظ.. فمن الذي سيقدم كوب القهوة حين نقوم من الموت, إن هول الموقف لن يسمح بهذا الترف, ومن ثم
سوف ينتظر كوب القهوة قليلا حتي ينتهي الحساب, ويبدأ الدخول إلي الجنة, وربما أنتظر كوب القهوة إلي الأبد.. لا
أحد يدري.. لا أريد
أن أشرد عن الموضوع.. أريد أن أقول إنني لم أشك في قيامة الموتي, أحيانا أشك في الموت, ولا أشك في قيامة
الموتي.
كيف يشك المرء في الموت؟
كيف يقال عن الموجود القاهر إنه بلا وجود, إن مظاهر الموت من سكون وتوقف لأجهزة الجسد أمر لا يمكن الشك
فيه, ولكن حقيقة الموت مازالت غامضة جدا, إن الجسد يتحلل ويصير ترابا وينضم إلي تراب الأرض.. هذا مفهوم, لكن
هناك شيئا آخر.
أن هناك أفكارا لا تموت تتمزق أجساد أصحابها أو يقتلون أو يموتون بشكل طبيعي, ولكن أفكارهم لا تموت.
تظل قائمة في الحياة, وتظل تحرك الناس, وتظل تعمل.. بل إن الموت أحيانا ينفخ في أفكار الراحلين روحا يجعلها
تعمل بكفاءة أكبر من الكفاءة التي كانت تعمل بها في أثناء حياة أصحابها.. كيف تفسر لنا علي هذا الضوء موت
الرسول صلي الله عليه وسلم منذ ما يقرب من أكثر من1400 سنة, وملايين المسلمين يتحركون وفقا لأوامر نبي
انتقل إلي الرفيق الأعلي.
تأمل الحج والعمرة والصلاة والصيام والزكاة والتوحيد, وكل ما تحب أن تتأمله من مظاهر العبادة أو حقيقتها.. تأمل
هذا كله.. أليست هذه أفكارا أوحي الله تعالي بها لبشر مات, كما يموت البشر, وبرغم موته مازالت الفكرة تعمل
وتحيا وتصارع.. كيف يمكن تصديق فكرة الموت إذا كانت الأفكار المضيئة لا تموت.. هل الحياة حركة أجساد أم حركة
أفكار؟ هل الدنيا تموج بالأجساد أم تموج بالأفكار التي تخدمها الأجساد؟
إن الأجساد تبلي كما تبلي الثياب, ولكن الفكرة المضيئة لا تموت, ما الذي يخيفنا إذن من الموت؟ هل يخاف الإنسان
إذا بلي قميصه فخلعه؟.
إن الموت الحقيقـي هو الجهل, وما سواه من صور الموت ليس غير تبديل
للأردية والملابس.
المصدر : جريدة الأهرام |