السحر والشعوذة في القنوات الفضائية
وطرق و وسائل التصدي لتلك القنوات والتحصن من شرها.
للدكتور مسلم محمد جودت اليوسف
إن الحمد لله نحمده ، و نستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا .
من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
و أ شهد أ ن محمداً عبدُه و رسولُه .
{ يَا أَيها الذين آ مَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَاته ولا تموتن إلا وأنتم مُسلمُون}
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } .
{ يَا أيها الذين آ منوا اتقوا الله وقولوا قَولاً سَديداً يُصلح لَكُم أَعمالكم وَيَغفر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطع الله وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً } .
أ ما بعد :
توالت الفتن على هذه الأمة الإسلامية بأشكال كثيرة و ألوان أكثير لم تعهد من قبل وذلك بسبب التقدم العلمي الذي اُستغل في كثير من الأحيان لمحاربة الله و رسوله و مخاصمة الحق و أهله .
ومن هذه الفتن القنوات الفضائية التي لا تراعي حدود الله على وجه العموم و قنوات السحر و الشعوذة على وجه الخصوص التي تفتن كثير الناس في عقائدهم و توكلهم على الله و أخذهم بالأسباب و المسببات الحقيقية لتخرجهم عن دينهم الحنيف الذي رضيه الله لنا .
عن حفصة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل صلاة أربعين ليلة . رواه مسلم .
و عن أحمد بن عبد الله قال : سمعت شعيب بن حرب يقول : سمعت سفيان الثوري يقول : من سمع من مبدع لم ينفعه الله بما سمع ، ومن صافحه ،فقد نقض الإسلام عروة ) .[1]
وعن أبي هريرة : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أتى كاهنا فصدقه بما يقول أو أتى امرأته حائضا أو أتى امرأته من دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد . رواه أحمد وأبو داود و قال الشيخ ناصر الدين حديث صحيح .
و قال الفضيل بن عياض : من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله و أخرج نور الإسلام من قلبه ) .[2]
و قال أيضا عليه رحمة الله : من أعان صاحب بدعة ، فقد أعان على هدم الإسلام ).[3]
و قال محمد بن النضر الحارثي : ( من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه ) .[4]
و أمام هذا الخطر كان لابد لنا من بيان حكم السحر و الشعوذة و فضح أساليبهم و بيان حكم مشاهدة قنوات السحر و الشعوذة و التواصل معها سواء لا بالهاتف أو عن طريق الرسائل sms أو ما يشابهها .
تعريف السحر :
السحر هو كل أمر خفي سببه ، ويتخيل على غير حقيقته ، و يجري مجرى التمويه و الخداع أي صرف الشيء عن حقيقته و صورته إلى شيء آخر مخالفا للحقيقة ، أو هو التخيل المحض كما في قوله تعالى :
{ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى{66} فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى{67} قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعْلَى{68} وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى{69}. سورة طه.
وقد اتفق أهل السنة على إثبات السحر ، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء .[5]
كما أجمع أهل العلم على أن تعلم السحر ، وتعليمه ، وعمله حرام ، وأنه من الكبائر .[6]
كما أجمع أهل العلم على أن حد الساحر القتل كما في قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و ابن عمر و حفصة و جندب بن عبد الله و جندب بن كعب رضوان الله عليهم أجمعين ، و قد اشتهر هذا و لم ينكر أحد فكان إجماعا .[7]
و حيث أن السحر يقوم به الساحر عن طريق الجن كان لابد من تعريف الجن حتى يكتمل البيان .
تعريف الجن :
قال أبو عمر بن البر : الجن عند أهل الكلام و العلم باللسان منزلون على مراتب ، إذا ذكروا الجن خالصاً ، قالوا : جني ، فإن أرادوا أنه ممن يسكن مع الناس قالوا عامر و الجمع عمار ، و إن كان ممن يعرض للصبيان ، قالوا : أرواح ، فإن خبث و تعزم فهو شيطان ، فإن زاد على ذلك وقوي أمره قالوا عفريت و الجمع عفاريت ).[8]
أما عن تعريف الجن شرعا :
فالجن مخلوق عاقل مكلف مثله مثل الإنسان بيد أنه خفي يرانا ولا نراه وفيهم الصالح والطالح المؤمن و الكافر .
قال تعالى : { و َخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ {15} . سورة الرحمن .
و قال جل جلاله : { يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ{27}. سورة الأعراف .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى : الجن مأمورون بالأصول و الفروع بحسبهم ، فإنهم ليسوا مماثلين في الحد للإنس في الحدود و الحقيقة ، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويا لما على الإنس في الحد لكنهم مشاركون الإنسان في جنس التكليف بالأمر و النهي ، و التحليل و التحريم و هذا ما لم اعلم فيه نزاعاً بين المسلمين ) .[9]
قدرات الجن :
أعطى الله تعالى الجن قدرة و قوة لم يعطها لبني آدم و من هذه القدرات :
- سرعة الحركة و الانتقال : قال تعالى : { قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ{39} قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ{40}. سورة النمل .
- قدرتهم على الإعمار و التصنيع : قال تعالى : ( وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ{12} يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ{13} سورة سبأ .
- قدرتهم على التشكل بأشكال مختلفة : كما ورد في كتب السيرة أن الشيطان الرجيم جاء المشركين يوم بدر في صورة سراقة بن مالك ، ووعد المشركين بالنصر ، وفيه أنزل قول الله تعالى : {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } سورة الأنفال ، الآية 48 .
- قدرتهم على الجري في مجرى الدم من ابن آدم : عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يجري من بن آدم مجرى الدم( رواه أبو داوود وقال الشيخ الألباني : حديث صحيح .
وعن طريق هذه القدرات و غيرها كانت الفتن للإنسان حيث يستغل الساحر و الشيطان هذا القدرات و أمثالها لفتن بني آدم عن دينه ليقع في الجحيم إن لم يتمسك بالرحمن الرحيم و كتابه و الكريم و ودينه القويم المأخوذ من كتاب الله تعالى و سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى فهم ومنهج السلف الصالح رضوان الله عليهم .
و لكن أما هذه القدرات هناك حقائق لابد من بيانها للقارئ الكريم :
أولاً - أن لا سلطان للشياطين على عباد الله الصالحين : قال تعالى : { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً{64} إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً{65} سورة الإسراء
و إنما يتسلط على الغاوين الذي يتبعونه و يتبعون الشهوات الشيطانية ، و أئمة الضلال .
قال جل جلاله : { إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ{99} إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ{100} سورة النحل .
ثانياً - إن الشيطان الرجيم يخاف من عباد الله الصالحين : عبد الله بن بريدة قال سمعت بريدة يقول : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت أستها ثم قعدت عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان ليخاف منك يا عمر إني كنت جالسا وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث بريدة وفي الباب عن عمر وسعد بن أبي وقاص وعائشة ) .
قال الترمذي : حسن صحيح غريب وقال الشيخ الألباني : حديث صحيح .
و هذا ليس خاص بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه بل هي قدرة كل مؤمن مخلص لله تعالى .
و قد قال ابن كثير في البداية و النهاية : قال الإمام أحمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن المؤمن لينصي شيطانه كما ينصي أحدكم بعيره في السفر تفرد به أحمد من هذا الوجه ومعنى لينصي شيطانه ليأخذ بناصيته فيغلبه ويقهره كما يفعل بالبعير إذا شرد ثم غلبه) .[10]
بل ربما استطاع المسلم المخلص لله أن يؤثر في قرينه فيسلم لله تعالى ، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة . قالوا وإياك يا رسول الله ؟ قال وإياي ولكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير ).