قال ابن إسحاق : وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي ، حليف بني عبد شمس بن عبد مناف يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا من حطب فقال قاتل بهذا يا عكاشة فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه فعاد سيفا في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة فقاتل به حتى فتح الله تعالى على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى : العون . ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل في الردة وهو عنده قتله طليحة بن خويلد الأسدي ، فقال طليحة في ذلك
فما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم
أليسوا وإن لم يسلموا برجال
فإن تك أذاود أصبن ونسوة
فلن تذهبوا فرغا بقتل حبال
نصبت لهم صدر الحمالة إنها
معاودة قيل الكماة نزال
فيوما تراها في الجلال مصونة
ويوما تراها غير ذات جلال
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا
وعكاشة الغنمي عند حجال
قال ابن هشام : حبال ابن طليحة بن خويلد . وابن أقرم ثابت بن أقرم الأنصاري . قال ابن إسحاق : وعكاشة بن محصن الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة سبعون ألفا من أمتي على صورة القمر ليلة البدر قال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال إنك منهم أو اللهم اجعله منهم فقام رجل من الأنصار . فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة وبردت الدعوة .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا عن أهله منا خير فارس في العرب ، قالوا : ومن هو يا رسول الله ؟ قال عكاشة بن محصن فقال ضرار بن الأزور الأسدي : ذاك رجل منا يا رسول الله قال ليس منكم ولكنه منا للحلف .
[حديث بين أبي بكر وابنه عبد الرحمن يوم بدر ]
قال ابن هشام : ونادى أبو بكر الصديق ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين فقال أين مالي يا خبيث ؟ فقال عبد الرحمن
لم يبق غير شكة ويعبوب
وصارم يقتل ضلال الشيب
فيما ذكر لي عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي
[ طرح المشركين في القليب ]
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة ، قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب ، طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف ، فإنه انتفخ في درعه فملأها ، فذهبوا ليحركوه فتزايل لحمه فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة . فلما ألقاهم في القليب ، وقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أهل القليب ، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا .
قالت فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى ؟ فقال لهم لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقا .
قالت عائشة : والناس يقولون لقد سمعوا ما قلت لهم وإنما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علموا
قال ابن إسحاق : وحدثني حميد الطويل . عن أنس بن مالك ، قال سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل وهو يقول يا أهل القليب ، يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ، ويا أمية بن خلف ، ويا أبا جهل بن هشام ، فعدد من كان منهم في القليب : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا ؟ فقال المسلمون يا رسول الله أتنادي قوما قد جيفوا ؟ قال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني .
قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم هذه المقالة يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ، كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس ثم قال هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ للمقالة التي قال .
[ شعر حسان فيمن ألقوا في القليب ]
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت :
عرفت ديار زينب بالكثيب
كخط الوحي في الورق القشيب
تداولها الرياح وكل جون
من الوسمي منهمر سكوب
فأمسى رسمها خلقا وأمست
يبابا بعد ساكنها الحبيب
فدع عنك التذكر كل يوم
ورد حرارة الصدر الكئيب
وخبر بالذي لا عيب فيه
بصدق غير إخبار الكذوب
بما صنع المليك غداة بدر
لنا في المشركين من النصيب
غداة كأن جمعهم حراء
بدت أركانه جنح الغروب
فلاقيناهم منا بجمع
كأسد الغاب مردان وشيب
أمام محمد قد وازروه
على الأعداء في لفح الحروب
بأيديهم صوارم مرهفات
وكل مجرب خاظي الكعوب
بنو الأوس الغطارف وازرتها
بنو النجار في الدين الصليب
فغادرنا أبا جهل صريعا
وعتبة قد تركنا بالجبوب
وشيبة قد تركنا في رجال
ذوي حسب إذا نسبوا حسيب
يناديهم رسول الله لما
قذفناهم كباكب في القليب
ألم تجدوا كلامي كان حقا
وأمر الله يأخذ بالقلوب ؟
فما نطقوا ، ولو نطقوا لقالوا
صدقت وكنت ذا رأي مصيب
قال ابن إسحاق : ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب ، أخذ عتبة بن ربيعة ، فسحب إلى القليب ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير لونه فقال يا أبا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء ؟ أو كما قال صلى الله عليه وسلم فقال لا ، والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ولكنني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا ، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا
[ ذكر الفتية الذين نزل فيهم إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ]
وكان الفتية الذين قتلوا ببدر فنزل فيهم من القرآن ، فيما ذكر لنا : < إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا > فتية مسلمين من بني أسد بن عبد العزى بن قصي : الحارث بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب ابن أسد .
ومن بني مخزوم أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم .
ومن بني جمح علي بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح
ومن بني سهم العاص بن منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد ابن سهم . وذلك أنهم كانوا أسلموا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا ، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعا .
[ ذكر الفيء ببدر والأسارى ]
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا ، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه والله لولا نحن ما أصبتموه لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو : والله ما أنتم بأحق به منا ، والله لقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله تعالى أكتافه ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو فقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا .
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان ابن موسى ، عن مكحول ، عن أبي أمامة الباهلي - واسمه صدي بن عجلان فيما قال ابن هشام - قال سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسوله فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء يقول على السواء .
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، قال حدثني بعض بني ساعدة عن أبي أسيد الساعدي مالك بن ربيعة ، قال أصبت سيف بني عائذ المخزوميين الذي يسمى المرزبان يوم بدر فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل أقبلت حتى ألقيته في النفل . قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئا سئله فعرفه الأرقم بن أبي الأرقم ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياه .
[ بعث ابن رواحة وزيد بشيرين ]
قال ابن إسحاق : ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفتح عبد الله ابن رواحة بشيرا إلى أهل العالية ، بما فتح الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة .
قال أسامة بن زيد فأتانا الخبر - حين سوينا التراب على رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت عند عثمان بن عفان . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفني عليها مع عثمان - أن زيد بن حارثة ( قد ) قدم . قال فجئته وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس وهو يقول قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام وزمعة بن الأسود ، وأبو البختري العاص بن هشام وأمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج . قال قلت : يا أبت أحق هذا ؟ قال نعم والله يا بني .
[ قفول رسول الله من بدر ]
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة ، ومعه الأسارى من المشركين وفيهم عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث واحتمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه النفل الذي أصيب من المشركين وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار فقال راجز من المسلمين - قال ابن هشام : يقال : إنه عدي بن أبي الزغباء :
أقم لها صدورها يا بسبس
ليس بذي الطلح لها معرس
ولا بصحراء غمير محبس
إن مطايا القوم لا تخيس
فحملها على الطريق أكيس
قد نصر الله وفر الأخنس
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية - يقال له سير - إلى سرحة به .
فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال لهم سلمة بن سلامة - كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، ويزيد بن رومان - : ما الذي تهنئوننا به ؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أي ابن أخي ، أولئك الملأ .
قال ابن هشام : الملأ الأشراف والرؤساء .
[ مقتل النضر وعقبة ]
قال ابن إسحاق : حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي بن أبي طالب ، كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة .
قال ابن إسحاق : ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط .
قال ابن هشام : عرق الظبية عن غير ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق : والذي أسر عقبة عبد الله بن سلمة أحد بني العجلان .
قال ابن إسحاق : فقال عقبة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله فمن للصبية يا محمد ؟ قال النار . فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري ، أخو بني عمرو بن عوف كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر .
قال ابن هشام : ويقال قتله علي بن أبي طالب فيما ذكر لي ابن شهاب الزهري وغيره من أهل العلم .
قال ابن إسحاق : ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الموضع أبو هند ، مولى فروة بن عمرو البياضي بحميت مملوء حيسا .
قال ابن هشام : الحميت الزق ، وكان قد تخلف عن بدر ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كان حجام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو أبو هند امرئ من الأنصار فأنكحوه وأنكحوا إليه ففعلوا .
قال ابن إسحاق : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم .
قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أسعد بن زرارة قال قدم بالأسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء ، في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء ، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب .
قال تقول سودة والله إني لعندهم إذ أتينا ، فقيل هؤلاء الأسارى ، قد أتي بهم . قالت فرجعت إلى بيتي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل قالت فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت : أي أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراما ، فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت يا سودة أعلى الله ورسوله تحرضين ؟ قالت قلت : يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت
قال ابن إسحاق : وحدثني نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه وقال استوصوا بالأسارى خيرا
قال وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم ، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى . قال فقال أبو عزيز مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني ، فقال شد يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك ، قال وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها . قال فأستحيي فأردها على أحدهم فيردها علي ما يمسها .
[ بلوغ مصاب قريش إلى مكة ]
قال ابن هشام : وكان أبو عزيز صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث فلما قال أخوه مصعب بن عمير لأبي اليسر وهو الذي أسره ما قال قال له أبو عزيز يا أخي ، هذه وصاتك بي ، فقال له مصعب إنه أخي دونك . فسألت أمه عن أغلى ما فدي به قرشي ، فقيل لها : أربعة آلاف درهم فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها .
قال ابن إسحاق : وكان أول من قدم مكة ( بمصاب ) قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعي ، فقالوا : ما وراءك ؟ قال قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف ، وزمعة بن الأسود ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأبو البختري بن هشام فلما جعل يعدد أشراف قريش ، قال صفوان بن أمية ، وهو قاعد في الحجر : والله إن يعقل هذا فاسألوه عني ; فقالوا : ( و ) ما فعل صفوان بن أمية ؟ قال ها هو ذاك جالسا في الحجر ، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا
قال ابن إسحاق : وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، قال قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب ، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم وكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة وكذلك كانوا صنعوا ، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا ، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش ، كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا . قال وكنت رجلا ضعيفا ، وكنت أعمل الأقداح . أنحتها في حجرة زمزم ، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي ، وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر ، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري ، فبينما هو جالس إذ قال الناس هذا أبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب - قال ابن هشام : واسم أبي سفيان المغيرة - قد قدم قال فقال أبو لهب هلم إلي فعندك لعمري الخبر ، قال فجلس ( إليه ) والناس قيام عليه فقال يا ابن أخي ، أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقودوننا كيف شاءوا ، ويأسروننا كيف شاءوا ، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا بيضا ، على خيل بلق بين السماء والأرض والله ما تليق شيئا ، ولا يقوم لها شيء . قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت تلك والله الملائكة قال فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربة شديدة . قال وشاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني ، وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فعلت في رأسه شجة منكرة وقالت استضعفته أن غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا ، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته
[ نواح قريش على قتلاهم ]
قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد قال ناحت قريش على قتلاهم ، ثم قالوا : لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء قال وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده زمعة بن الأسود ، وعقيل بن الأسود والحارث بن زمعة وكان يحب أن يبكي على بنيه فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب بصره انظر هل أحل النحب هل بكت قريش على قتلاها ؟ لعلي أبكي على أبي حكيمة يعني زمعة فإن جوفي قد احترق . قال فلما رجع إليه الغلام قال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته . قال فذاك حين يقول الأسود
أتبكي أن يضل لها بعير
ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكر ولكن
على بدر تقاصرت الجدود
على بدر سراة بني هصيص
ومخزوم ورهط أبي الوليد
وبكي إن بكيت على عقيل
وبكي حارثا أسد الأسود
وبكيهم ولا تسمي جميعا
وما لأبي حكيمة من نديد
ألا قد ساد بعدهم رجال
ولولا يوم بدر لم يسودوا
قال ابن هشام : هذا إقواء وهي مشهورة من أشعارهم وهي عندنا إكفاء .
وقد أسقطنا من رواية ابن إسحاق ما هو أشهر من هذا .
قال ابن إسحاق : وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال وكأنكم له قد جاءكم في طلب فداء أبيه فلما قالت قريش لا تعجلوا بفداء أسرائكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه قال المطلب بن أبي وداعة - وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عني - : صدقتم لا تعجلوا ، وانسل من الليل فقدم المدينة ، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به .
[ أمر سهيل بن عمرو وفداؤه ]
( قال ) : ثم بعثت قريش في فداء الأسارى ، فقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو ، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم ، أخو بني سالم بن عوف فقال
أسرت سهيلا فلا أبتغي
أسيرا به من جميع الأمم
وخندف تعلم أن الفتى
فتاها سهيل إذا يظلم
ضربت بذي الشفر حتى انثنى
وأكرهت نفسي على ذي العلم
وكان سهيل رجلا أعلم من شفته السفلى .
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لمالك بن الدخشم .
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء أخو بني عامر بن لؤي : أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو ، ويدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا ، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا
قال ابن إسحاق : وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا الحديث إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه
قال ابن هشام : وسأذكر حديث ذلك المقام في موضعه إن شاء الله تعالى .
قال ابن إسحاق : فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم قالوا : هات الذي لنا ، قال اجعلوا رجلي مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه . فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا مكانه عندهم فقال مكرز
فديت بأذواد ثمان سبا فتى
ينال الصميم غرمها لا المواليا
رهنت يدي والمال أيسر من يدي
علي ولكني خشيت المخازيا
وقلت سهيل خيرنا فاذهبوا به
لأبنائنا حتى ندير الأمانيا
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا لمكرز .
[ أسر عمرو بن أبي سفيان وإطلاقه ]
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، قال كان عمرو بن أبي سفيان بن حرب ، وكان لبنت عقبة بن أبي معيط - قال ابن هشام : أم عمرو بن أبي سفيان بنت أبي عمرو ، وأخت أبي معيط بن أبي عمرو - أسيرا في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسرى بدر .
قال ابن هشام : أسره علي بن أبي طالب
قال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، قال فقيل لأبي سفيان افد عمرا ابنك ; قال أيجمع علي دمي ومالي قتلوا حنظلة وأفدي عمرا دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم . قال فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال ، أخو بني عمرو بن عوف ثم أحد بني معاوية معتمرا ومعه مرية له وكان شيخا مسلما ، في غنم له بالنقيع فخرج من هناك معتمرا ، ولا يخشى الذي صنع به لم يظن أنه يحبس بمكة إنما جاء معتمرا . وقد كان عهد قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا ، أو معتمرا إلا بخير فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمرو ، ثم قال أبو سفيان
أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه
تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا
فإن بني عمرو لئام أذلة
لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا
فأجابه حسان بن ثابت فقال
لو كان سعد يوم مكة مطلقا
لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا
بعضب حسام أو بصفراء نبعة
تحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا
ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا به صاحبهم ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل سعد .