السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مدرسة النبوة ... الهدي الإلهي... د. عثمان الغزالي
إخوانى وأخواتى فى الله ..
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن مثل ما بعثني الله به من الهدي والعلم، كمثل غيث اصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب امسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به”. (رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم).
في الحديث الشريف تمثيل الهدى الذي جاء به النبي بالغيث ومعناه ان الأرض من حيث تلقيها للماء ثلاثة أنواع وكذلك الناس.
فالنوع الأول من الأرض، ينتفع بالمطر، فيحيا بعد ان كان ميتا وينبت الكلأ، فتنتفع بها الناس والدواب، وكذلك النوع الاول من الناس من يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه، ويعمل به ويعلمه فينتفع وينفع الآخرين.
والنوع الثاني من الأرض، ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة وهي امساك الماء لغيرها فينتفع بها الناس والدواب وعبر عنها بالاجادب وهي الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء، وكذلك النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة ولكن ليس لهم أفهام ثاقبة ولا يستنبطون المعاني والاحكام، فهم يحفظون العلم حتى يأتي محتاج لما عندهم من العلم فيأخذ منهم فينتفع به.
والنوع الثالث من الأرض، السباخ التي لا تنبت، فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها وعبر عنها بالقيعان وهي الأرض المستوية، وقيل الملساء وقيل التي لا نبات فيها، وكذلك النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم.
والمدقق في هذا الهدي الشريف يرى ان التجسيم يعتبر عنصرا فعالا في تكوين المشهد المرئي وتفاعل الانسان مع البيانات الإلهية هو الأساس كتقبل الأرض الطيبة للماء والانتفاع بها، إذن فالدين خيرية وعطاء كما اختير الغيث في النص للتجسيم من دون المطر لأن الغيث هو المطر اللطيف الذي يأتي بعد احتياج شديد قال الله عز وجل: “وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد” (الشورى: 28).
ومنه الاغاثة بعد الحاجة، وما هذا إلا الغيث المحمدي الذي غير مجرى التاريخ الانساني وهو مطر لا يأتي الا بالخير خلافا للمطر الشديد، فلا يؤذي الزرع، والرطوبة الملموسة الناتجة في الكلأ والعشب تعبر عن ليونة قلوب المؤمنين، والخير العميم في الزرع النافع الذي جاء اخضر تستريح عنده العين والنفس، مقابلة مع قساوة القيعان.
والتجسيم في هذا الهدي الشريف قدم لوحة ذات ثلاثة مشاهد: مشهد الأرض التي انتفعت بالغيث، وهي تمثيل المؤمنين المطيعين لأوامر الله ومشهد الارض الجدباء التي نفعت غيرها بالماء وهي تمثل من يوصل المعارف الدينية فهو مجرد وسيلة ناقلة، ومشهد القيعان التي لا تستفيد ولا تفيد غيرها وهي تمثل الجمود البشري إزاء النفحات الربانية.
وفي قوله في أواخر الحديث “لم يرفع بذلك رأسا” هذه الحركة التي تعبر عن الأنفة والكبرياء والجمود وعدم التأثير وعدم رفع الرأس يوحي بالهبوط والانحطاط وتضييع الخير.
نسأل الله ان يرزقنا علما نافعا وقلبا خاشعا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.