كتب الأستاذ / عبدالكريم باعبدالله
"احفظ الله يحفظك".. بهذه الوصيّة العميقة الوقع، البعيدة الأثر، كانت كلماته صلوات ربّي وسلامه عليه تهدهد مسامع الغلام الرضي عبدالله بن عبّاس رضي الله عنهما، وتنساب إلى فؤاده المتطلّع، وروحه الشابّة الفتيّة، كمعول يكسر به أصنام الهوى قبل مثولها، وتماثيل العادة فيهوي بها، وقداسة التقاليد والعادات التي قد تطغى على تعظيم الله وتقديسه، بعٌد إيماني عقائدي يعصم الحصن الأوّل (القلب) من السقوط والتردّي.. كم تفتقر حواراتنا وتوجيهاتنا نحو من نربّيهم من "عيارها الثقيل"، الذي يوازي الاختراق القيَمي والأخلاقي، الذي يتعرّضون له جرّاء تعاطيهم وسائل التواصل -التي أصبحت محاضنهم الأولى- بلا حماية ولا تقنين أو هدف يسمو بعلمهم وأخلاقهم ؛ بحجّة صغر السنّ أو ضعف الإدراك، ممّا أفقد الكثير من التوجيهات ثمرتها وصارت رتيبةً ومحصورة في أشياء دنيويّة متكرّرة..
لم يعد يخفى ما يمكن أن يصل إليه الناشئة اليوم من الشر وانفتاحهم على ما لم يكن يعرفه الكبار بالأمس، وما يحدثه ذلك في نفوسهم من الفساد والعبث بفطرهم، وهذا ينذرنا بضرورة تغيير نمطيّة التوجيه والصعود بمضامينه الإيمانيّة وأن نرتقي بعمقه المؤثّر، لتتناسب وقايته مع محتوى الفساد الذي يتلقّاه الجيل ويلاحقهم في كلّ مكان.
ولايقف حدّ التوجيه إلى سنّ قوانين وإجراءات صغيرة -على الأبناء وإن كانت مهمّة- كالحدّ من استخدام الأجهزة الالكترونيّة منتصف الأسبوع ليعودوا إليها في نهايته أشدّ نهماً على ما لاتحمد عقباه! أو إلزامهم بالرجوع إلى المنزل في ساعة محدّدة بعد أن يقضوا أوقاتهم بعيداً عن العيون في لهوٍ غير مشروع! ولنرتقي بالتوجيه -أيضاً- بألاّ نجعل من احترام العادات والتقاليد القبليّة والمجتمعيّة والفرار من «العيب» الدافع الرئيس لتوجيهاتنا لحماية النشء من الأخطاء والزلاّت؛ لئلاّ تنطوي «مظاهر» من نربّيهم على الحسن والجمال وتنطوي «السرائر» والخبايا على النوازع الآثمة والرذائل الشيطانيّة! فالمربّي أبّاً كان أو معلّماً أو داعيةً مسؤول عن تنظيم الجرعات التوجيهيّة المثمرة وتقدير عيارها، والتي تحرّك قلب المربّى وضميره وتنمّي إحساسه الداخلي تجاه مولاه وتعمّق صلته به وتنمّي أيضا فكره، قبل سَنّ القوانين الرادعة لتجاوزاته، وتضع بين عينيه لحظة الوقوف بين يدي ربّه والحساب بلا ترجمان... فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفي موقف لاتراه طويلاً، كان يردف فيه الغلام ابن عبّاس رضي الله عنهما، فغرس خلاله أصولاً عظيمة من أصول العقيدة، تجوّد الفكر وتحرَك الوجدان والإيمان، وتثبّت اليقين: (احفظ الله يحفظك) بحفظ أمر الله واجتناب نهيه وإقامة شريعته.. وماهذه الوصيّة القيّمة إلاّ إحدى المفردات الكفيلة -بعون الله- بملء الفراغ الروحي الذي يحتاجه الجيل، وتعالج التخبّط الأخلاقي، كما تعالج مظاهر الاستقامة المؤقّتة التي تصنعها البيئة والقبيلة والمجتمع ولاتصمد أمام طوفان عريض من المتغيّرات والفتن.. «فتقوية البيت أولى من تجنّب الرياح»؛ بل تصنع هذه التوجيهات عظماء كترجمان القرآن وحَبْر الأمّة رضي الله عنه! فهلاّ أعددنا سلسلة من تلك التوجيهات التربويّة القرآنيّة التي تنفعل لها القلوب، والمعاني النبويّة التي تسمو بها العقول، نخاطب بها أبناءنا ونكمّل بها دنياهم وأخراهم، فنتعلّمها أوّلاً ثمّ نجعلها إضاءات لهم في الحياة؟.. هذا ما نرجوه من المسلم الصادق.
الموضوع الأصلي: من أجل توجيه مثمر! || الكاتب: سمسم حسن ||